19/06/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

الأرجوحة الحمراء.. قصَّة قصيرة بقلم: ليلى عبدالواحد المراني/ العراق

1 min read

ليلى عبد الواحد المراني

Spread the love

الأرجوحة الحمراء  
احتضنتْ دبّ (الپاندا) الذي تضعه قرب وسادتها منذ عشرين عاماً، قبّلته ، وفِي أذنه وشوشت.. أنت صديقي منذ الأزل، أعرفك وتعرفني، أسراري كلها معك.. مطمئنّةٌ أنا، ليس لأنك لا تنطق، ولكن العِشرة بيننا جعلت منّا صديقين، بل وأكثر، ضاقت أنفاسي في صدري يا صديقي، وأريد أن أسرّك بأمر يعذّبني..
نظرت في عينيه اللتين بالكاد تظهران غائرتين بكثافة فروٍ أبيض، وهالتان سوداوان تحيط بهما. أحسّت به ينظر إليها، مستفهماً..
اسمعني يا صديقي، أنا واحدة من طابور نساءٍ يطلق عليهنّ عوانس.. أنا (عانس) يا صديقي بعرفهم، هل تعرف معنى ذلك؟ بالتأكيد لا تعرف، سأقول لك.. يقولون: فاتها القطار!، لا تعرف معنى ذلك أيضاً، إذن لأوضّح لك، من لا تتزوّج لأسبابٍ كثيرة، لا أريد أن أطيل عليك بسردها، يطلقون عليها، جوراً لقب (العانس)!
سأبيحك سرّاً الآن، أدري أنك ستحتفظ به في حنايا قلبك الصغير، أنا لست (عانسا)!!.. تزوٰجت عدّة مرات، هم لا يعلمون، ولا يهمٰني أن أخبرهم ، ولكنك صديقي، ورفيقي.. لذا سأبوح لك بسرّي. أنا يا صديقي أخوض كلّ اسبوعٍ تجربة زواج فاشل! أخرج منها نادمة، وأقسم ألاّ أعيدها.. ورغماً عني أقع في فخّ الزواج ثانيةً، وثالثة، ورابعة.. والعدد مفتوحٌ!..
إحدى زيجاتي، حين كنت في الجامعة. أستاذي البريطاني ، شابّ وسيم وأنيق، تتهافت الطالبات عليه، أنا الوحيدة من أثارت انتباهه! تحمرّ وجنتاه خجلاً وهو يستشعر لهيب نظرات الفتيات، تصوّب نحوه.. أضحك في سرّي جذلى، أعرف أني، أنا فقط من ينبض قلبه لها. ألتقيه كنت في المعهد البريطاني، نشرب القهوة معاً، ويبثّني لهفته ولواعج مشاعره.. في أحلامي ألتقيه، وفِي يقظتي أعيش معه كلّ لحظةٍ بحبّ واشتياق. أباح لي بحبّه ، طرت جذلاً إلى سابع سماء! وددت لو أرتمي على صدره، وأغرق في بحر حبّه! قصتنا أصبحت تتناقلها الأفواه، زادني ذلك غروراً، ونظرات الحسد والغيرة تكاد تُمزِّقني، أنا وحدي، وحدي أنا من استطاعت أن تستولي على قلبه، ذلك الوسيم، الخجول، القادم من بلد الضباب..
كي أكون متفوّقةً يفخر بي، بذلت جهداً مضاعفاً في السنة النهائيّة، وتخرّجت بدرجة امتياز تؤهلني للحصول على بعثةٍ دراسية. عقده في العمل كان سينتهي، صارحني برغبته في الزواج، وكنت أعلم تماماً أنّ أهلي سيرفضون، بل ربما سيناله منهم أذىً، وكان اتفاقاً بيننا أن ألحق به، وحدث.. وطفلٌ جميل، كإشراقة الشمس، كان وليدنا الأول، وأمنية تراودني مُذ كنت طفلة بأرجوحةٍ حمراء تحلّق بي إلى السماء، فأمسك الغيوم.. أبعثرها، وأنثرها عطراً وحبّاً على حقولٍ مترعةٍ بالرياحين. غامرةً كانت سعادتي، وأنا مع زوجٍ أعشقه، وطفلٍ يكاد بطابقه شكلاً وملامحَ.. وأرجوحةٌ حمراء في حديقتنا الصغيرة، تطير بملاكي الصغير، فيكركر، وتحمرّ وجنتاه، كأبيه.. فتغمر السعادة قلبي وروحي..
هل كان كابوساً ما حدث ذلك اليوم ..؟ لا يزال جسمي يرتجف حين أتذكّره، وما زالت الصورة بشعةً ومقزّزةً، تجعلني أتقيّأ حين أستحضرها.
في غرفة نومنا، وعلى فراشنا المشترك، صعقت وأنا أراه عارياً بين أحضان كهلٍ عملاق! من مشوارٍ صباحي خارج البيت، عدت وطفلي معي أحمل له باقة الورد التي يحبّ! فاجأته.. لم يكن ينتظر عودتي.. لم أعد أذكر ماذا فعلت حينها.. هل صرختُ.. بكيتُ، هل حطّمتُ ما كان أمامي فوق رأسيهما ! هل أغمي عليّ.. وهل.. وهل..؟
ما أذكره الآن أنني أخذت طفلي وهرعت أعدو في الشارع، مجنونةً كنت.. أبكي وأَلْعَن، ثم أضحك بهستيريا حاضنةً طفلي حتى كنت سأخنقه. تلقّفتني صديقتي، بكيت على صدرها.. أريد أن أعود إلى بلدي، إلى أهلي… أريد أن أعود..
بلّل دمعها فروة الدبّ الأبيض، تراءت لها دموعه هو الآخر تنهمر، احتضنته.. آسفة عزيزي، أثرت حزنك، مضطرّة أقصّ عليك، فأنت الوحيد الذي يسمعني بصمت، ويصدّق ما أقول عن زواجٍ آخر من بين العشرات، سأحكي لك الآن عنه..
رضخت لضغوطات أهلي، رغم عدم قناعتي، وتزوّجته. سيفوتك القطار، عانساً ستصبحين.. صديقاتك وقريباتك أصبحنَ رفيقاتٍ لأولادهنَّ، وأنتِ.. وتزمَُ والدتي شفتيها بسخرية مؤلمة، ويرمقني والدي الصامت أبداً بنظرةٍ حارقة تخترق روحي، فأبكي.
شبه معدمٍ كان، ولكنه ثريّ بشعاراته ومبادئه، وكتبه المزروعة في كلّ ركن ٍ من بيتنا الصغير. حياةٌ روتينيّة، تكاد تكون بائسة، وضيق يدٍ يخنق كلّ طموحاتي وأحلامي، وأكثرها إيلاماً، حلمٌ لم يتحقّق الاّ بعد أربع سنوات، طفلٌ وأرجوحةٌ حمراء صغيرة، وفَّرت ثمنها من مصروف لا يكاد يسدّ حاجتنا. صغيراً كان طفلي، كبرعمٍ لم يتفتّح، من روحي ومن دم شراييني أرضعته حليباً لم يكن ثديي يدرّ به. يوماً فيوماً أتأمّله، أستعجله أن يكبر، أن يملأ عيني، فقد كان صغيراً كعصفورٍ خرج للتوّ من بيضته.

أملٌ يرقص في صدري أن أراه يوماً يطير فرحاً والأرجوحة الحمراء تحلّق به، فيمسك الغيوم وينثرها حبّاً على وجهي.. لوحدي كنت أحلم، ولوحدي كنت أترقّب اليوم الذي أحمل فيه صغيري، وأضعه في أرجوحته الحمراء، وأبٌ قابعٌ في مكتبه بين أكداس الكتب والأوراق المبعثرة، ماذا كان يكتب؟ ولمن.. ومع من يتحدٰث؟ أسئلةٌ كثيرة كانت تثير استغرابي، لكنّ نظرة إلى وجه طفلي الصغير، كانت تنسيني كلٰ تساؤلاتي، فأضمّه إلى صدري، وأقبّل وجهه الملائكي.
كما يصعقك مسٌّٰ كهربائي، صُعقنا والباب يطرق بعنف وجنون بعد منتصف الليل، أسرعتُ حاملةً صغيري، ملتصقاً بصدري، غلاظٌ، متجهٰمو الوجوه، ونظرات كالرصاص صُوّبت نحوي ونحو طفلي، فازدادت يديّ عنفاً تضمّه إلى صدري.. أين هو؟ من؟ زوجك.. وقبل أن أجيب، أخترقوا الصمت وحرمة البيت، إلى عربةٍ دون أرقامٍ اقتادوه، وسط ذهولي وبكاء صغيري. مددت يدي لأمسك به، ضربةٌ قويٰة على خاصرتي بأخمص البندقيٰة، ألقتني أرضاً، وتدحرج ابني من بين يديّ. إلى أهلي عدتُ ثانيةً، باكية، أحمل هموم طفلٍ يكاد يكون يتيماً، وضياع زوجٍ، كان أصلاً في عداد المفقودين.
غصَّةٌ لا تزال تثقل صدري.. الأرجوحة الحمراء، تركتها هناك، فبيت أهلي كعلبة كبريتٍ، لا مكان عندهم لأرجوحة طفلي الحمراء…