الثلاثاء. أكتوبر 27th, 2020

.

A good word aimed at the service of humanity

انتخبوا مرشحكم… مشحوت. قصَّة قصيرة. بقلم: مديح الصادق/ كندا

1 min read
Spread the love

انتخبوا مرشحكم … مشحوت.

ليس غريبا عن أسماعكم هذا الاسم، فلا أظن أنكم قد نسيتم أو تناسيتم ذلك المغامر (مشحوت أبا حصان) الذي باع أهله والعيال مُراهناً على ما هو مخفي خلف وهم، وعند انجلاء الحق لم تفده حسرة أو بكاء؛ لقد خسر الرهان، وأطلق أعز ما عنده، الحصان.

استجمع المرة هذه كل ما تبقى عنده من فحولة زيف، وقرر أن يعتلي كرسي المختار الذي بدت عليه علامات الكهولة الميؤوس منها: فقدان الذاكرة، الهذيان، حدَّة المزاج، وغير ذلك مما بات مؤكدا أن مدير الناحية يبحث عن بديل يؤدي نفس المهام، ولا بد من شروط وصفات تنطبق عليه: له شعبية بين سكان الحي، يجيد قدرا من القراءة والكتابة، قادر على الإقناع والتأثير في الوسط الاجتماعي بحيث يحقق الغايات التي تريدها السلطة دون تدخل مباشر منها، فالسلطة في كل زمان ومكان ما هي إلا ألاعب بليارد,، كرة واحدة يحركها بعصاه فتحرك بدورها الأخريات دون عناء منه، والمختار – كما خبرتموه – لابد أن يكون عامر الديوان، موقدة أثافيه، كعوب قدوره دوما سوداء.

مشحوت لا يملك إلا القدرة على أن يتقنع في الساعة ألف قناع، وشعاره: تمسَّك بالباطل حتى يغدو حقا لك، وإن السلطان هو الذي يرتدي بدلة السلطان، ومائدة عامرة كافية لغسل عوراتك يا مشحوت، وكم من ثوب أعرضت عنه الطاهرات تلفعت به من أغواهن بريق الألوان، وما فاح منه من عطر خدَّاع.

لم ينقصه سوى حفنة مال تعيد اعتباره، وتقرّب الناس إليه؛ فيفتح بيته لرجال الدولة، وينوب عنهم في إكرام ضيوفهم، وليس من وسيلة أمامه سوى حلب الناقة قبل أن يفوت الأوان؛ فالقبيلة المجاورة التي لها ثارات مع قبيلته قد غادرها رجالها في طلب ثأر من قبيلة أخرى، وعليه أن يقنع شيخه في غزوهم، فالقائد المُعوَّل عليه مفروض عليه اصطياد الفرصة لرد ضربة قد وجهها سابقا له الخصم، ومشحوت يعرف من أين تؤكل الأكتاف، فهو مهوال القبيلة، وحامل الراية، موقعه في أول الصفوف، والغاية مرسومة من قبل، فكنوز شيخ الخصوم مدسوسة في غرفة الحريم، وأثمن الغنائم غالي الثمن، خفيف الحمل، هاهو الصندوق المتوسط المُرصَّع بالنجوم، الملفوف بالقماش، المحفوظ في الصندوق الكبير.

تحقَّق الحلم يا مشحوت، إنها ثروة جمعت من عرق المساكين الشقاة، الفلاحين، الجائعين، العراة إلا من جذوة فيهم، عام يتلو عاما والشيخ سياطه تجلد العباد، وتحت أقدامه يفرش الحرير، يختار ما يشتهي من الطيبات، حين يُهلك الناسَ الجوعُ يشيع أعوانه أنه الطاعون، وعندما تحصد الحرب أرواحا يُقنع الأيتام بأنها الدفاع عن العرين، وهاهو المال لم يغادر أهله، تحول من قبضة ظالم سفاح إلى مخادع دجال.

باع بيته المتواضع ( مشحوت ) والبقعاء التي تُغني وجبة الفطور للصغار والعشاء، وعجلها الصغير، وما تبقى عند الزوجة من مصوغات، واستدان من جيرانه كي يغطي حملة انتخابه لمنصب المختار؛ وعلق اللوائح، واللافتات ( انتخبوا مرشحكم المغوار مشحوت ) فاستأجر بيتا فخما ليستوعب الولائم الفخمة للموظفين الكبار والوجهاء، ومثله مثل أولئك الذين لا رصيد لهم بين الجماهير ما من حل بأيديهم سوى الوعود، وما أكثر الوعود وأرخص كلفتها! فليس تحت اللسان دبابيس، وهل حوكم جراء وعوده عرقوب؟ والخطب الرنانة – مثل غيره – كانت سلاحه، أما اختلاق عورات للمنافسين فتلك كانت شعرة قصمت ظهر البعير لتحسم الجولة في مرمى العدو لصالح مشحوت.

اجتمع الأصدقاء، ومن كانوا بالأمس منافسين في داره العامرة، والذبائح قد تم نحرها، أقيمت الأفراح، على الحيطان علق السيوف الفضية، والعباءة ( الكلبدون ) وأنواع المسابح، توافدت على زوجه نساء الحي مهنئات، والأرامل منه يحملن الهدايا، كسوة فاخرة، أو طعاما سمينا، وقد تكون نظرة منه للجميلات وعدا بإدخال البهجة في النفوس، وتطييب الخواطر.

لقد آن الأوان لتسديد الديون يا ( مشحوت ) فالجولة قد حسمت، وهأنت قد فزت بما كنت به تحلم؛ والكنز الذي غنمته من حرب أنت أشعلت أوارها لم يفتح بعد، بعد قليل يودع الليل ثلثيه، والصغار يخلدون للنوم، وأمهم كذلك، إياك أن تطلعها على سر كهذا، ألا تذكر قصة ( غزالة الوالي ) ووشاية الزوجة بالزوج، لا تضعف أمامها فبعضهن من تضع الغشاوة على عينك كي تستولي على ما تريد، والليل خير ساتر، وخير صديق.

تلفَّت حوله يمنة ويسرة، أخرج من الشباك رأسه ثم أعاد الإغلاق، تسلل على أطراف الأصابع كي يتأكد من نوم الجميع، أصغى بحذر لشخيرها كي يطمئن على أنه هو الشخير المعتاد وليس تمثيلا، بسط قائمة الديون أمامه، ليست صعبة قياسا لما لديه من ثروة في صندوق غنمه في غفلة من أهله، بعد تسديدها سيشترى هذا البيت من مالكه، المزرعة المجاورة كي يلحقها به، ويعمرها بالدواجن والمثمرات، يصاهر شيخ العشيرة للفوز بالنسب والجاه؛ فهو ما زال مجهول النسب مذ قدم القرية برفقة أمه، وقد دارت حوله الكثير من الشائعات إلى حد الطعن، والفرصة اليوم قد أقبلت لشراء النسب، فبالفلوس في قرية (مشحوت) يمكن أن تُشترى الأنساب، والألقاب، وقد يتدرج في المناصب، ويمكن أن يكون مستقبلا هو الوزير، أو الرئيس.

أخرج الصندوق المُنجَّم، قبضتا كفيه ترتجفان؛ بل جسده مرتجف من أعلى رأسه حتى أخمص القدمين، لا بد أن يتحاشى تلك اللحظة، الصدمة حين تواجه عيناه لأول مرة هذا الكمَّ من الجواهر، وربما يكون فيها الثمين من الأحجار هو لم يره قط؛ لكنه عنه يسمع أنه يغشي الأبصار، فليغمض عينيه تحاشيا لما خشي منه، الغلاف انفتح، ياألله، الأصابع تضرب بعضها، تلمَّسه، صندوق آخر بداخله، صدق الظن أنه كنز جد ثمين، عيناه لا تزالان مغمضتين، فتح الغطاء الثاني، ارتمى منبطحا على ظهره إلى الخلف، عيناه لم يقدر على فتحهما فقد تورمت وجنتاه، تلمَّس تلك الكتلة التي خرجت من الصندوق بقوة حتى لطمت منه الوجنتين، كتلة من البلاستك الناعم المضغوط لا غير، باليسرى شدَّد القبض عليها، والسيف باليمنى، وفي جيبه قائمة الدائنين، بقوة ممسكا غنيمته، ما به تتسلى بعض العوانس والعازبات، لم يتبعه في المهرب إلا كلاب القرية السائبات، وحالك من ظلام الليل، بدَّده عويل أرملة عاشرها في السرّ، واعد إياها بالزواج وفق الشرع بعد فوزه بمنصب المختار.

5 thoughts on “انتخبوا مرشحكم… مشحوت. قصَّة قصيرة. بقلم: مديح الصادق/ كندا

  1. Very interesting information!Perfect just what I was looking for! “If you could choose one characteristic that would get you through life, choose a sense of humor.” by Jennifer Jones.

Comments are closed.