15/05/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

جدلية الفهم الإصلاحي، وفلسفة التّغيير.. بقلم: سعد السّاعدي/ العراق

1 min read
Spread the love

جدلية الفهم الإصلاحي، وفلسفة التغيير

 حين يأخذ الصراع بين الفكرة والنظرية، شكلاً متقن الفن لأية ظاهرة، مهما كان تصنيفها، ومقوماتها فإنه ينطلق من ركائز متنوعة الأشكال والصنوف حسب الظرف الذاتي، أو الموضوعي لتشكيل فلسفة خاصة لها صبغتها؛ بالاتجاه الذي تريده الذات تارة، وتارة أخرى مع واقع الحياة اليومية نحو هدف محدد، أو مشروع يهدف للبناء؛ بناء الإنسان والمجتمع، والقيم الحضارية الطامحة لولادة سعادة، وبهجة، وفرحة تبعد الكائن البشري عن السير في طريق مظلمة نحو أمل منشود، أو ترقّب يطول مداه، أو يقصر. فالمجتمع، والطبيعة، وكلّ الكائنات الحية الأخرى محكومة بقوانينها الخاصة؛ ومن قوانين الإنسان والإنسان ما يقع ضمن مجالات الحوار وتبادل أطراف الحديث بالإقناع أو بدونه. هذا ليس جديداً على النظام البشري المجتمعي عموماً منذ عصر إفلاطون، وربما قبله أيضاً إلى يومنا هذا إنطلاقاً من أي واقع؛ إلى ما تفرزه من ثمرات مساعيها، وهي – بالتأكيد – لا تطمح لسوءٍ، أو شرٍّ .
ونظراً للتعقيدات الكثيرة التي تصاحب مفهوم “الجدلية” خاصة، حسب آراء الفلاسفة واتباعهم، أو من يعارضهم، نقف ببطء وهدوء عند مفهوم (الجدل المقنع) لفهم الإصلاح بشكله العام بدون كلّ المتناقضات وإشكالياتها، ونحدد هذا الفهم – بشكل مختصر – بما نحتاجه نحن البشر؛ لاننا نعيش على هذه الأرض التي ليس لنا سواها، ولابد من تسخير خيراتها لمنفعتنا جميعاً؛ أي البشرية بكل أطيافها بعيداً عن الأفكار المتصارعة بكل عناوينها وفق المنطق الملتزم غير المتزمت تحت أسس العلم وعقلانية طبيعة الحياة ومتغيراتها.
لا يُعدّ الإصلاح مفهوماً ترفيهياً بقدر معوقاته الكثيرة، وما عاناه ويعانيه المصلحون، وأهمها التضحيات باغلى الأشياء من أجله، كالموت من أجل الحرية والشهادة والاستبسال دفاعاً عن المبادىء، لأن هذا الدفاع هو إصلاح فردي، وجماعي من أجل الخلاص إما من عدو يسعى للتخريب والدمار، أو ينتهك كل الحرمات الإنسانية، وصفحات التاريخ مليئة بتلك الصور وأسماء المصلحين الذين اتّفق التاريخ على قيادتهم لعمليات الإصلاح التغييري فلا حاجة للتكرار.

وبالقدر الذي يكون عليه المصلحون؛ مهما كانت نزعاتهم، ومذاهبهم الفكرية من أجل أفكارهم ، وقيمها التي هي عندهم سامية، لأنهم قوة التغيير الحقيقي إلاّ ما جاء به المتطرفون من قيم بالية وقالوا عنه أنه دستور للأصلاح كالذي قال منهم:
إن على المسلمين إعادة الشهادتين لأنهم ارتدوا حين لم يقتلوا حكامهم وأنهم في عصر من جاهلية ثانية؛ لأن الحاكم كفر، والإنسان كفر وفق (مفهوم الحاكمية والجاهلية)، ومن ثم التأسيس على ذلك لاحقاً كي يستباح الدم البريء، ويحصل ما نراه اليوم من ويلات الإرهاب، ودماره، ويحسب أصحابها أنهم هم المصلحون الصلحاء، وغيرهم ألَدّ الاعداء.
إنّ أي نمط إصلاحي لا يسعى إلى التغيير وفق العقل، والبرهان لا يمكن تسميته إصلاحاً قط. والإصلاح يقف مباشرة بلا تردد امام الفساد، والانحطاط، والتردي، وخيانة المباديء الإنسانية. فنجده حين ينبعث من النفس البشرية قوة تحارب تلك النفس المخادعة لتنتصر عليها. وحين يتصدى كمجموعة هازّة بعنفوانها، وموجات تيارها العارم أمام مجتمع منحرف، وسلطة غاشمة من أجل ترسيخ الحق والعدالة، وايضاً ضد الدكتاتوريات البغيضة، والرأسمالية الظالمة، والاقطاعية المستعبِدة، وكل أصناف الظلم؛ فهو الثورة، والبركان، والصوت المدوي من أجل الخير، وشيوع الأمن وتلاشي الويلات والحرمان.
الإصلاح العام: هو إنساني قبل أن يكون بيئي ضيق كسراب مخادع. لم يتردد الفلاسفة الثائرين بفكرهم من أجل حياة سعيدة، ولم يتردد كل القادة الثوريين، ولم يُرهِب الجميع أي عنوان للخوف في سبيل الهدف المنشود وهو الإصلاح. ورغم عدم صمود الأفكار الحرة طويلاً في بعض الأحيان أمام السلطات السياسية الغاشمة التي تتبنّى فكراً مغلوطاً، أو هي أصلاً تسعى لذاتها بعيداً عن شعوبها ومصالحهم، لكن عنوان الحرية هو الجوهر الباقي، والمحرك الفاعل ضمن العنوان العام على مرّ الزمن.

مجتمعاتنا العربية قد تكون أكثر مَن عانى مِن الحرمان، لأنها تمتلك ثروات طائلة، بشرية، ومادية منذ سطوع الحضارة العربية الإسلامية، ولحد الآن؛ لأنها واقعة بين مركزين مهمين من القوة، وهما:
سلطة الدولة، وسلطة أصحاب الفكر الديني اللاعقلاني، أي الفكر الأسود من تأويلات المتدينين بعيداً عن قيم السماء الراقية، وأخلاق الفضيلة السامية التي نهجتها كلّ الأديان عبر عصور شتّى، وتلونت بها.
فتارة نجد القضاء والقدر يلعب دوراً، والانتماء القبلي الموافق للسلطة الحاكمة يلعب دوراً خر حفاظاً على المصالح الفاسدة، وكان سبباً مهماً في سقوط كثير من الدول التي أوهمت رعاياها بأنها المُصلِحة والمخلّصة، في حين كانت هي من أعتى دول الفساد التي سجلها التاريخ عبر مسيرته.
ووفق كل الرؤى فإن المتضرر دائماً هو المجتمع، سواء اتّحدت السلطات، أم اختلفت. ففي الأولى يُظلم ويُهضم، وفي الثانية تستباح كلّ حرماته ويُسال دمه؛ إذن هو الضحية والمغلوب الخاسر في كل المعارك والصراعات. ومن هنا يأتي تخطيط المصلحين لإنقاذ ما يمكن انقاذه وفق برامجهم الساعية لخلاص المجتمع من ظلم إجرامي. تبدأ خطط التغيير بما تحمله من معاناة لعلها تجد النور، أو من يساعدها في إضاءة الطريق.

لقد استفاد المجتمع الغربي من التطورات الحاصلة، والمتسارعة في كلّ المجالات وتحوّل إلى النجاح بعد حروب دامية، وظلام طويل. الفكر السياسي كان الأكثر تأثّراً في تقويم المنعطفات التاريخية؛ فصنع قانوناً يحمي الحياة، أي أنّ الإصلاح غيّر مسيرة مجتمعات نحو الرقي والرفاهية، والتقدم. أمّا نحن العرب ما زلنا نبكي على الإطلال، والديار الدارسة؛ لعلنا نسمع أنين أحد الموتى، أو نلقي عليه التحية والسلام.
أين تكمن مشكلة الإصلاح؟ ولماذا يتعثّر، أو يُباد من يسعى لذلك؟ هل إن الشعوب لا تحب الإصلاح ولا تسعى للتغيير؟
مشكلتنا قد يكون جزء منها المجتمع والسلطة الحاكمة؛ لكن أهمها أنفسنا نحن عندما نخذل المصلحين. وهل هناك مصلح لا يمكن معرفة خطّه، ومبادئه، واهدافه؟ بالتأكيد لا.. والمشكلة الأخرى حينما لا يمكن تحديد الأهداف والغايات؛ فالجامعات لا تعرف أهدافها يقيناً، وإلى ماذا تسعى؛ هل تخرّج طلبة من كلياتها فقط، أم تعُدّهم ليكونوا قادة مجتمع يحملون مشعل العلم مع مشعل الحرية من أجل تغيير مستمر نحو الأفضل في مسيرة الحياة؟ حتى الادباء حين يُسألون عن كتاباتهم، وأشعارهم، ورواياتهم؛ ما الغاية منها مع النمط الإنساني العام، والمجتمعي الخاص، وإلى أين ستنتهي؟ لا يعرف كثير منهم سوى انه يهوى الشعر ويكتب، أو يسعى لأنْ يكون نجماً في مجتمع متخلف في كثير من مستوياته وانماطه وسلوكه اليومي، أو هي نفثات يخرجها من روحه على ورقة صمّاء أحياناً؛ لذلك آثروا البقاء في منازلهم بعيداً عن صخب السياسة، وفوضى التناقضات، وبعضهم لا همّ له إلا أنّ يتربع في برج عاجيّ؛ في حين هناك من أكلت الزنزانات الموحشة جلودهم، وأعمت ظلمتها أبصارها؛ فأين هذا الأين منهم؟
الحياة بحاجة مستمرة إلى فلسفة إصلاحية يقودها مفكرون، وليس رجال يستجْدُون أمام أبواب الحكام. النخبة موجودة في كلّ زمان ومكان، ولابد لهم أن يتحركوا بكل وسائلهلم بعد أن تطورت وسائل الاتصال، وأنعم الله بها على البشرية كحدٍ أدنى من وهج نور العلم والحرية والثورة على الذات أولاً، وعلى الفاسدين دائماً، وهذا هو جوهر مهم من جواهر التغيير. من هنا يكون المنطلق نحو التغيير؛ فلم تعد المثاليات صالحة، ولا يمكن للخفافيش أن تصنع نظرية تقود الحياة والشّمس لم تغب بعد.

هل نحن بحاجة إلى نبي جديد يخاطبنا، ومنذ قرون طويلة ذهبت المعجزات مع الأنبياء؟ لقد تركوا لنا قيمهم السامية، وأخلاقهم العالية لكي نتعلم أن لا نبقى مظلومين نندب حظّنا كلّ صباح.
نعم لقد حدثت فجوة كبيرة بين العلم والحضارة والتطور، وإنساننا المعاصر؛ تخلفت مجتمعاتنا قرون طويلة، وجمدت في مكانها تنظر إلى الغد بعيون مغمضة بلا استعداد، وبلا زاد؛ أصابها الخمول، والذهول من صدمة جهلها، وأفكارها المتخاذلة؛ لماذا؟ لأنها لا تملك أسلوب الفكر النيّر، وفلسفة التحليل، ولأنها تعلمت أن يلقّنها الأشخاص كما لو أنها في ديوان (الكتاتيب) أو ما يُسمّى مدرسة (الملا) تتلقن، وتنفذ كالإنسان الآلي؛ وربما الآلي افضل، وأحسن لانه اليوم يصنع حضارة الحياة التي معها ازدهرت حتى الثقافة، وتغيرت أنماط معيشة مليارات البشر.
ما زال المجتمع بحاجة إلى تربية فوقية صارمة غير مترهّلة؛ لا تديرها دوائر حكومية أو مؤسسات نفعية. من هنا تتكرر الحاجة لدور إصلاحي، ورجال مصلحين، وإذا ظهروا تكشفهم مؤهلاتهم أمام الملأ في أي ساحة، وهل هناك من لا يعرف مؤهلاتهم؟ وعنوان الإصلاح باقٍ لا يتغيّر أبداً؛ لأنه النواة الحقيقية للتغيير ومحاربة الفاسدين.