23/07/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق… مشاهد من رحلتي الأخيرة بقلم: د. مديح الصادق (ح5 ـ و ـ ح6) “دخولي إلى بغداد”

1 min read

مديح الصادق

Spread the love

دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق…. مشاهد من رحلتي الأخيرة 
مديح الصادق… ح 5 … “دخولي إلى بغداد”
العاشر من حزيران بداية حقبة جديدة في تأريخ العراق، ما كان في الحسبان قط أن تسقط بين ليلة وضحاها ثاني أكبر مدن العراق، ومنفذه الحيوي، وقلعته الأثرية بكل ما تحمله من معان جسام، ثم تتبعها مدن أخرى لا تقل عنها أهمية، لا تبعد عن بغداد العاصمة سوى مرمى حجر، أو يزيد، إنه لأمر لايستوعبه عاقل، ولا يتقبله سويٌ لبيب، ساحة النهضة التي وصلتُها قادما من كركوك عادت بي إلى ما قبل أكثر من ثلاثين عاما لتذكرني بأيام حرب الثمانية الأعوام، فوضى في كل شيء، كلٌّ ينادي على ليلاه، مُقدَّم المرور خائفا يتوسل بالسائقين أن يفتحوا الطريق، باعة يسدون المنافذ وعلى منتصف الشوارع يزحفون، عليك أن تتفحص الوجوه قبل أن تؤجر سائق تكسي، فقد تخطئ التخمين، وقد تعود من حيث أتيتَ أو لا تعود، افعلوا بي ما تشاؤون، أيها الأوغاد؛ لكن ليس قبل أن أرى وجه أمي التي فارقتُها أكثر من عقد من الزمان، وإليها – مُشتاقاً – عبرتُ الفيافي والمحيطات طامعاً بتقبيل كفَّيها الطاهرتين، وفي حضنها الدافئ أنعمُ بالأمان وبالسلام، وألثم القدمين.
الحرارة قاربت الخمسين، الريح تغمر الوجوه بما تسح من رمال، وتنشر
المزابل والنفايات في كل الاتجاهات، ما من أحد ألا راكض مُتلفتٌ حوله يسارع الخطوات، إما عائدا لحضن عياله، أو محمولا على آلة حدباء، المذياع يصدح بالأغاني الحماسية، الأناشيد، الأهازيج الملتهبة، قصائد مُغنَّاة تُجمع في فحواها أن ( لبيَّكَ يا حُسين ) أهي الفتنة عادت تُنذر بالموت، نافخة أبواق الحرب، أم أن الشر الزاحف من مدن البترول لا يستثني هذا أو ذاك ؟ مكبرات الصوت على المساجد والحسينيات والمحلات العامة ومداخل البيوت وفوق السيارات، ( هيهات منَّا الذلة ) وصوت المُفتي يُلهب المشاعر وهو يُلقي إيذان أعلى مرجع ديني بوجوب الجهاد، وأن من يقتل في تلك الحرب ضد الإرهاب فهو شهيد مُبشَّر بما به بُشِّر الصالحون.
كعادتهم تجار الحروب سارعوا لإخفاء الضروري من بضاعتهم طمعا في فرضها بأغلى الأسعار، المواد الغذائية ارتفعت أسعارها، الوقود، غاز الطبخ، المحلات تغلق أبوابها قبل المعتاد، إنها مجازفة أن يُشترى عقار أو سلعة عينية، فالكل قد حزم ما خف حملا وغلا ثمنا، والفلس الأحمر ينفع في اليوم الأسود، السيارات معبأة بالبنزين، الحقائب قد حزمت، الأموال قد تسربت إلى حيث ترقد بسلام، عوائل من بيدهم أمر الرعية قد غادروا قبل حين، أفواج المتطوعين تقاطرت على مراكز التطوع في مقرات الأحزاب وبعض الدوائر، وسائل الإعلام – كعادتها – قد تضاربت تصريحاتها، بين مُبشر بالنصر القريب على داعش وأعوانهم، ومكدر للخواطر من خلال ما يبث من أشاعات مغرضة وسموم، والحقيقة غائبة عن الجمهور، قوات البيشمركة الكردية تزحف في مواكب نصرٍ لتفرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها دون أية مقاومة أو اعتراض بحجة إشغال المواقع التي منها انسحب الجيش العراقي، المسؤولون يتنافسون على الظهور بأبهى الأزياء العسكرية، والمصورون المتخصصون ينشرون لهم من حيث لا يعلمون! إنها الحرب، وإن كانت مفروضة؛ ففي الحرب ضحايا مساكين، وفيها سماسرة، قوَّادون، وفيها قادة متزلفون بأكثر من ولاية – على جثث الضحايا – يتشبثون.
دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق… مشاهد من رحلتي الأخيرة ـ ح6ـ
مديح الصادق.. بغداد تغلي مراجلها..
الحادي عشر من حزيران في بغداد، بغداد التي أطبق على أنفاسها جحافل المدججين بالسلاح من كل المنافذ، حزامها أتباع داعش ومن والاهم، والأزقة ميليشيات تحت شتى المسميات بجانب قوى الجيش والأمن والشرطة، على التلفاز أنباء تضاربت في مدى صحتها، بعضها يشيع أن من أسماهم بثوار العشائر قد باتوا قاب قوسين أو أدنى عن مركز الحكم في الخضراء، وأن بغداد هي الهدف التالي لهم تمهيدا لتحرير العراق ممن أسموهم بالفرس المجوس، وأخرى تبث تصريحات لناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة بأن الوضع تحت سيطرة الجيش، وبيده زمام المبادرة؛ ولك أن تتخيل ردة فعل المواطن العراقي البسيط الذي اكتوى بنيران الحروب المتعاقبة، ودفع في أتونها ضرائب يفترض أن يكون في غنى عنها، واليوم عليه أن يواجه الزيادة في أسعار المواد الغذائية ذات المناشئ الإيرانية والتركية الفاقدة لقيمتها الغذائية أساسا قبل وصولها، ناهيك عن رداءة تخزينها وعرضها تحت أشعة الشمس الحارقة، وحر الصيف القاتل، ولزيادة ساعات القطع الكهربائي، مع حجج أصحاب المولدات الأهلية بشحة الوقود، وللوقوف في طوابير عرضة للتفجيرات الانتحارية أمام محطات البنزين أو شرائه من السوق السوداء، وحتما انعكس هذا على كل الخدمات الأساسية ومنها حركة النقل، طوابير على أبواب المصارف لتأمين ما تُنبئ عنه قوادم الأيام، والأهم من كل ذلك أن البيئة في تلك الأجواء تُمسي صالحة لتفشي الإشاعة التي تمهد للانهزام في أغلب الأحيان.
قرأتُ كثيرا قبل قدومي إلى بغداد وسمعتُ عن وضع الدوائر الحكومية التي يتزاحم على نوافذها الضيقة مئات المراجعين تحت أقسى ظروف الحر والبرد، وتوقعات الموت في التفجيرات، دون نظام للأسبقية، أو أبسط وسائل الراحة للمرضى وكبار السن – كما الحال في دول تحترم الإنسان – ما يجبرك أن تدفع لواحد من المُعقبين مبلغا متفقا عليه، قد يزيد وقد ينقص بحسب طبيعة الأمر الذي تراجع عليه، ومستوى الموظف المسؤول الذي بيده الحل والربط، ولا تذهب بعيدا في التفكير بدور عشرات الأحزاب التي تغطي إعلاناتها الانتخابية كل الشوارع والساحات، وتستولي مقراتها على بنايات حكومية بالمجان، فتغلق الشوارع العامة والطرقات، ولها تخصص من ميزانية الدولة الحماية والخدمات، ميليشاتها لا تجيد سوى الترهيب والترغيب للإدلاء بالأصوات، والتغطية على الفاسدين والسراق؛ أما دورها الرقابي المُفترض في أداء الدولة فهو صفر على اليسار، أحد عشر عاما من الوعود الكاذبة، والمشاريع الخيالية التي لم يلمس منها الشعب سوى التصريحات في مناسبات الافتتاح، أما اليسير الذي تحقق منها فلم يكن سوى ذر رماد في العيون؛ فبغداد اليوم ليست ببغداد التي أعرفها، إنها خرائب كسرى يسكنها أحياء فارقوا السلام في مدينة السلام، وخاصموا الطمأنينة والأمان.
الثاني عشر من حزيران، مثل سابقَيه من الأيام، أناشيد حماسة وأغان تحث على الجهاد، لا تخلو أحيانا من نفس طائفي، مسلحون في كل مكان بعضهم ترك الدوام الرسمي، الحرب، إلى وزارة الخارجية، دائرة التصديقات كانت وجهتي الأولى بعد أن اجتاز بي سائق التكسي أزقة وحواجز كونكريتية عالية لم أر ما خلفها من أحياء أو بنايات، وتفتيش شكلي وجدتُه خاليا من أي جهاز حديث لكشف المتفجرات، طابور طويل من المراجعين يمتد في الشارع العام خارج البناية في ذلك الحر تحت الشمس، تذكرتُ حينها أنني قبل سفري من كندا انجزت الكثير من المعاملات على الإنترنت، ووصلتني بالبريد، وبعضها حجزتُ له مواعيد بالهاتف فلم أجد عند المراجعة سوى بضعة مراجعين ينتظرون الدور. بعد انتظار ساعتين وقوفا فوجئت بأن عليَّ أن أُصدِّق الوكالة العامة من الضريبة، والبنك المركزي
وفي الضريبة كان عليَّ أن أبرز لهم البطاقة التموينية، وبطاقة السكن، ومن أين لي بهما؟ فهمستُ في أذن الموظف المختص بعد أن أريته إجازة سوقي الكندية: أخي العزيز، نحن في كندا ليس لدينا بطاقة تموينية، وهذا عنوان سكني؛ فكان رد فعله مُطمْئِنا إذ ضحك طويلا وصافحني مُتحسِّسا حرارة كفي باهتمام بليغ، وفي طريقي إلى البنك المركزي ضاعت علي معالم الطريق لولا أن استعنت ببعض أفراد الشرطة والمارة، دهاليز تشعبت هنا وهناك، بلا إشارات أو اتجاهات، عليك ان تسأل في كل خطوة، إن وجدت مُجيبا يبغي الحسنات، والدوام ينتهي عند الثانية بعد الظهر شكليا، وعند الواحدة فعليا، ومن المؤكد أن أغلب الموظفين في تلك الساعة إما مغادر للصلاة، أو قد أثرت على مزاجه آخر التطورات، حمدت الله على أنني أنجزت مرحلة لابأس بها هذا اليوم، عليَّ العودة من خلال شارع المستنصر؛ حيث كان لي محل هناك قبل الهجرة، يوم كان زاهيا، ولي فيه أيضا جميل الذكريات، ولا انسى أن أرى تمثال الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم، وشارع الرشيد؛ لكني أضعتُ سبيلي في تلك المتاهات وأكوام القمامة والحواجز والنفايات، أضعت معالم بغداد، يا ويلي؛ فوجدتُ نفسي في شارع الجمهورية حيث لا طريق سوى للسير على القدمين من شدة الزحام، والباعة المتنقلين، وهاتفي يرن، يرن، من كندا يستنكرون خروجي للشارع غاضبين، ومُضيفي يستعجلني محذرا من عمليات انتحارية، وأن موعد الغداء – وهم بانتظاري – قد حان، والعود من حيث جئتُ هو الأصوب هذا اليوم.

 

1 thought on “دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق… مشاهد من رحلتي الأخيرة بقلم: د. مديح الصادق (ح5 ـ و ـ ح6) “دخولي إلى بغداد”

Comments are closed.