23/07/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق… مشاهد من زيارتي الأخيرة.. ح3 ـ وـ ح4 بقلم: د.مديح الصادق

1 min read

مديح الصادق

Spread the love

الحلقتان الثالثة والرابعة، دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق… مشاهد من زيارتي الأخيرة../ مديح الصادق
الحلقة الثالثة.. من كركوك إلى أربيل.. حزيران 2014
سمعتُ الكثير على وسائل الإعلام المختلفة؛ بل قرأتُ أكثر على صفحات الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي؛ عن طبيعة النظام الاقتصدادي والاجتماعي والسياسي في إقليم كردستان العراق هذه الأيام، وبما أنني قد وعدتُ الأخوة في الجمعية المندائية في أربيل بزيارتهم في حال قدومي للعراق؛ فقد كان لزاما على أن أكحل ناظري برؤية جزء حبيب من وطني الحبيب، وشعبه الذي كانت لي معه مواقف إبان مقارعة النظام الفاشي المقبور كدت أدفع حياتي ثمنا لها، فاختارت المنية أخي الأصغر سميرا وهو يقاتل النظام البائد على ذرى كردستان مع رفاقه الأنصار الشيوعيين.
سائق التكسي الذي نقلني من حي دوميز بكركوك إلى منطقة رحيماوه حيث كراج أربيل؛ كان حذرا مني طوال مسافة الطريق المغمورة جوانبه بالأنقاض، وبقايا البناء، وفضلات الحيوانات التي يستعرضها أصحابها على الجانبين؛ لذبحها على قارعة الطريق وهي (تتمرغل بالتراب والعفن) دون وعي أو رقابة صحية، محلات بيع الدجاج الحي وذبحه ثم تنظيفه كلها تجري في العراء، والحر الشديد، والتراب، والفضلات، ومثلها (بسطيات) بيع الفواكه والخضار التي تحتضن الأرض كي تكتسب منها حرارتها التي لا تطاق، الشوارع التي لا يُعرف بأي اتجاه تسير، كل على هواه؛ فشرطي المرور لا يؤذي نملة خشية أن يُهدى طلقة تنهي حالة خوفه اليومي، وتجاوزات شذاذ الآفاق من حثالة السواق، السائق لم يكف عن أن يرمقني كل لحظة بنظرة ريبة وشك، فهو خائف من هذا الجنس الغريب ذي البشرة الناضرة التي تختلف عن هؤلاء الذين أحرقت وجوههم صفعات شمس الصيف في العراق، وغيرت ألوانهم تقلبات تجار السياسة، والسياسيين، أما أنا فلا أخفيكم أن قد كنت أكثر خوفا منه، جهزتُ حالي كي أرد الرد المناسب في حال بدرت من سائقي بادرة تنم عن غدر مُبيَّت؛ لكن كلانا كان آثماً إذ ظن بالآخر ظن السوء، أوصلني للكراج سالما فتنفسنا نحن الاثنين الصعداء.
لفت انتباهي قبل المغادرة بناية بطابقين ظاهرة للعيان، عليها سارية تحمل علم كردستان، ولوحة كبيرة (الحزب الشيوعي الكردستاني) في كركوك، فحفظت ذلك في جعبتي خشية أن يكون للانفعال تأثير عكسي على ما أنا ناو عليه، اجتزت بوابة أربيل هذه المرة بسلام بعد أن اخفيت جوازي الكندي، وأظهرت بطاقتي الشخصية التي تثبت أني مندائي، على جانبي الطريق الخارجي المؤدي إلى أربيل بنايات كبيرة، مشاريع صناعية، حقول دواجن، محطات أهلية لاستخراج مشتقات النفط، مجمعات سكنية كبيرة، بيوت مستقلة، عمارات سكنية تنفذها شركات استثمارية أجنبية عملاقة، الشوارع نظيفة ومرتبة بما يسهل سير المركبات، المساحات المزروعة مدامة بشكل مستمر، محلات تجارية ضخمة، أسواق كبيرة تزدحم بالزبائن من السكان الأصليين والوافدين من مختلف محافظات العراق، إما للسياحة أو هربا مما يجري في بغداد وغيرها من أعمال عنف وخروج فاضح على القانون، الفنادق تغص بروادها، والبيوت السياحية فيما يحيط بالمصايف من مدن وقصبات، قصور فارهة تضاهي قصور الأمراء، بجانبها أكواخ تواضعا تقترب من الصعيد الذي خلقنا منه؛ وذلك يحكي قصة الصراع الطبقي في ظل نظام يقوده أغوات ومن يسير على نهج الأغوات، قوى الأمن من أتباع كلا الحزبين الكرديين تتوزع في كل مكان، وتحكم قبضتها على أمن الإقليم، الكل يشعر بما افتقده أخوته في باقي أجزاء العراق، الأمن والسلام
كان يوم جمعة ولم يدر في خلدي أن أغلب الأسواق ومنها سوق الصاغة تغلق أبوابها هذا اليوم، سألت عمن قصدت من أحبتي، كل من السيدين حمودي مطشر، أبي هيلين، ونزار شنيشل زامل، أبي حسين فوجدت من ينقلني إلى حيث يقيمان في عين كاوة الملاصقة لمركز أربيل، وحللت ضيفا مكرما في بيت أبي هيلين الذي استبشر بقدومي، وقام بما هو مجبول عليه من كرم ودماثة الأخلاق، اصطحبني بمرافقة أخينا الغالي أبي حسين، نزار، في جولة في تلك المدينة الوادعة الحالمة التي تقترب من حياتنا في المهجر في كثير من الأمور، العمران الحديث بمواصفاته وطرازه، الشوارع الحديثة الواسعة، الفنادق والنوادي والمنتزهات والمراكز الاجتماعية، والأسواق الحافلة بشتى البضائع التي تغلب عليها مناشئ تركية وإيرانية تزاحم المنتوج الوطني، بل إنها ابتلعته بالتمام، المجمعات السكنية الحديثة التي تقوم على نظام التقسيط المريح
هدية حكومة كردستان للطائفة المندائية بيتان مشيدان متجاوران، الأول معبد ديني، والثاني ناد ثقافي اجتماعي، كان هناك لقاء عائلي مندائي مساء ذلك اليوم، الجمعة السادس من حزيران، يقارب الثمانين عدد العوائل، سعدنا بلقاء أخينا سعدي ثجيل ولم يسعفنا الوقت لتلبية دعوته، سعدنا بلقاء الحاضرين، وبحسن التنظيم والإشراف على فعاليات المركزين، الديني والاجتماعي من قبل المشرفين عليهما، بدعم من حكومة الإقليم، انتهى بنا المطاف في نادي الأكايميين الاجتماعي وهو معلم سياحي من الدرجة الأولى، أضغيت طويلا لأحاديث العزيزين، حمودي ونزار في كل المجالات، ومنها شؤون الطائفة المندائية في أربيل والعراق، والوضع العام في الإقليم وفي العراق، وما قاموا به لخدمة أهلهم المندائيين هناك، وفي مجال الثقافة الوطنية العراقية، ودعنا عزيزنا نزار على وعد مني بأن يكون هو المُضيف لي في المرة القادمة؛ فصدقت معه الوعد بعد عودتي من بغداد وميسان، ومن بيته غادرتُ مُكرَّما بعد أن أوصلني بنفسه إلى مطار أربيل عندما عزمت على الرحيل مُنكسر الجناح على ما حل ببلدي الحبيب

دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق… مشاهد من زيارتي الأخيرة.. حزيران 2014
مديح الصادق
الحلقة الرابعة.. من كركوك إلى بغداد .. ضياع الموصل
التاسع من حزيران كان نذير شؤم على شعب العراق من شماله إلى جنوبه؛ فقد تواردت الأنباء من بعض العاملين في سلك الشرطة في كركوك حيث مازلتُ قائما؛ أن داعش ومن تحالف معهم ممن يسمون بالنقشبندية، وفصائل من حزب البعث، ومن ادعوا أنهم ثوار عشائر؛ قد سيطروا على الساحل الأيمن من مدينة الموصل دون قتال من وحدات الجيش، وقوات الشرطة، وقوى الأمن الأخرى التي كانت تحكم سيطرتها على المدينة، وأن قضاء الحويجة وما جاوره قد سقط بالكامل بأيديهم، إضافة إلى اشتباكات حامية في تكريت وسامراء والأنبار ومدن أخرى في ديالى؛ ما حفزني لأن أسارع بالسفر إلى بغداد لقضاء بعض المعاملات، ثم التوجه إلى ميسان لزيارة والدتي التي كانت هدفي الأساسي من تلك الزيارة.
ابنتي ماري خائفة جدا من تلك الأخبار المقلقة، تراجعتْ عن مرافقتي واستغنتْ عن رؤية جدتها التي كانت متشوقة للقائها، اتصلتْ بمكتب الخطوط الجوية في كندا لتقديم رحلتها قبل خمس وعشرين يوما من موعدها، أما أنا فقد كانت سيارة التكسي تقطع الطريق بي بين كركوك وبغداد بصعوبة بالغة، ازدحام شديد على خط سير واحد بدلا من خطين؛ فالمقاول لم ينجز هذا الطريق الحيوي وفق المواصفات المطلوبة، وبقي كما هو عليه، حفر ومطبات وتحويلات ترابية، شاحنات أطلق العنان لها كي تسد المسالك، سيطرات متقاربة ومحتشدة بمنتسبيها بحيث تجعلهم لقمة سائغة، ليس لديهم متسع للتفتيش الدقيق، يكتفون بالتحديق في الوجوه، لم أر علما عراقيا طيلة الطريق على الوحدات العسكرية والسيطرات الأمنية سوى رايات سوداء وخصراء كتب على بعضها عبارات كالتي تكتب على واجهات البيوت والجوامع في مواسم مجددة من كل عام ، على المقاعد الخلفية ثلاثة ركاب يلبسون الدشاديش بلا حقائب، كنت حذرا منهم طوال الطريق؛ لكني اكتشفت بعد حين من خلال أحاديثم ومكالماتهم أنهم منتسبو شرطة هربوا من مواقعهم في ساحل الموصل الأيمن إلى كركوك ثم إلى بغداد وهم يتفاخرون في قدرتهم على تقمص شخصيات مدنية والنفاذ بجلودهم.
اعتدلنا – نحن ركاب التكسي – في جلساتنا حين غادرنا طوزخورماتو التي سمعنا أنها ساخنة دائما، وأن مايحدث فيها من خروقات أمنية، وصدامات بين الجيش والمسلحين، يتسبب في قطع الطريق بين بغداد وكركوك لعدة أيام؛ لكن الأخبار تهافتت من خلال مكالمات سائقنا بأن تفجيرا انتحاريا استهدف السيطرة هناك بعد مغادرتنا بخمس دقائق، وتمت إثرها الاشتباكات، فقطعت الطرق؛ ودخل الجيش الإنذار، السائق يرمقني بنظرة استغراب بين الفينة والأخرى لأني ربطت حزام الأمان جواره منذ بداية الرحلة رغم أنه تخلى عنه وهو يطوي الطريق الخارجي بسرعة تزيد على المائة والعشرين، وبغداد الحبيبة التي فارقتها أكثر من عشرة أعوام قد بانت عن بعد ملامحها الكالحة الحزينة، بغداد الثكلى تولول وتنوح دون منجد أو مُجير، وجوه أهلها ماعادت ناضرة كما كانت من قبل، شوارعها لم تعد نظيفة، حدائقها ذبلت أزهارها، امتلكتني رعشة البكاء وأنا أرى الحواجز الكونكريتية تفصل احياءها عن بعض، والشوارع مقفلة المنافذ، وفي كل حي سيطرة أمنية تخضع القادم للتحري والتفتيش وأحيانا التحقيق، كارثة عظيمة، زادها هولا أني حال وصولي بيت أخي في أبي دشير؛ فاجؤوني بأن الموصل قد سقطت بالكامل دون دفاع أو قتال.
يتبع بالحلقة الخامسة.