27/02/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

زبَدٌ على السواحلِ والشطآن.. قصَّة قصيرة.. بقلم: مديح الصادق

1 min read
Spread the love

زبَدٌ على السواحلِ والشطآن 
 
صمتٌ قاتلٌ يكتم الأنفاس، فيه لا تسمع سوى دقات قلبك إذ تسارعت، وصراعا للعناكب والفئران التي غزت الدار، دار أهلها غطُّوا بنوم غليظ، و (الحوتة) – في غفلة منهم – أطبقت فكَّيها وفي جوفها طوت أجمل الأقمار، أولاد الكريهة دقُّوا طبولها، من كل وادٍ وفجٍّ عميق؛ سيوفُهم أطياف الظلام ووحشة الطرقات، لم يبقَ في الحيّ من ديك يؤذِّن الفجر، ويبعث الآمال فيفقس بيضُها الدجاجات، ديوان القبيلة لم ينعقد – كالعادة – كي يفصل ما بين عمرٍو وزيد؛ فعمرٌو قد أدمَنَ الضرب مُستسلما لما قدَّرته له الأقدار، والعارف في أمور الدنيا والدين أفتى بأن تُساق له قربانا كل ليلة عذراءُ لم يقطر زيتُها من قبل، وأن لا يُجمع في سلةٍ طماطمٌ مع الخيار إلا في دهاليز الراسخين في العلم؛ لهم ما يشتهون، مقابل عهد عليهم بأن لا تبدِّد الظلامَ شمعةٌ، أو قنديلٌ.

لا توقظ النيام يا (سَمَّار) فالأمر عندهم سيَّان؛ إن غطّوا في شخيرهم، أم كانوا مستيقظين، وأنت وحدك خاصمت الكرى لست آبها لِمَنْ تدبَّروا حولك من ملوك الجنِّ أو التابعين، لا تيأس – أرجوك – فهي آتية لا محال، زوبعة لا تُبقي من أولادها واحدا ولا تذر، وحينما تأتي تقتلع كل الأشجار التي خوت؛ لأنها بلا جذور، وتُسقِط اليابس من أوراقها؛ فهي حتى لنفسها لا تصنع الغذاء، على السواحل والشطآن تقذف البحار بما تقيَّأته من زبدٍ، وما عافت من نفايات، اللآلئ في أعمق الأعماق تبقى بانتظار أنقى وأمهر الغوَّاصين، على مفارق الطرقات يصطفُّ الحائرون ممَّن خانتهم الشجاعة وما عاد بأيديهم قرار؛ إن لم تكن مع الإنسان فأنت حتما مع الشيطان.
لا تيأس يا (سمَّارُ) واضرب عصاك بقوة تهتز لها الأبدان، فلا يُدير مرة أخرى خدَّهُ عمرٌو لزيد، اضربها واصرخ بأعلى صوتك: يأهل الدار؛ كفى شخيرا، لقد تبيَّن أن لا مارد يُشعل النار كل ليلة – كما توهمتم – في قلعة (إحفيظ) كي يسرق تأريخنا وأسماءنا ذوو القبعاتِ السود، والقصارِ من السراويل.

حفنة من ماء الجدول القاتم بكلتا يديه، لم يعد جاريا كعهده به، كالسمِّ طعمه، أُجاج ريحُه تزكم الأنوف، بقع بيضاء تغطي ما غسلته به، يا…إلهي، ماذا الذي حلَّ بنا؟ أبَينَ ليلة وضحاها غيَّر النهرُ مجراه؟ مالي أراه عكسا جاريا من الجنوب نحو الشمال؟ عذبَ المذاق كان بالأمس، طاهرَ الوسم يُطهِّر المستنقع الذي يرويه؛ واليوم مُستبسلا يهدر من كل المنافذ ماءُ النفايات، من كل ثغرة في الجدار، أغرق البيوت فعامت الأفراخ والطيور وما دجَّنت ليوم الحاجة الأمهات، زهرات الحديقة والتينة والنخلة؛ زارها الموت، تقاسمتها مُدى الحطَّابين والحطابات، الشمس غطَّت وجهَهَا أرتالُ غِربان سود، الخنازير في الأرض عاثت فسادا، والكاهن المُختار لم يبخل بما أفنى العمر في تأليفه من أدعية وتعاويذ، فبعد الخطبة العصماء ناقَرَ الدفَّ وغنَّى بصوته الذي يسرق الألباب: (دلللول… يالولد يبني دللول) فنام الجمع حالمين، هانئين.

الكفُّ اليتيمة لا تصفِّق يا (سمَّارُ) أما قرأتَ بقصَّاصات الورق التي دسَّها في جيبك أستاذ الأدب العربي، أنَّ بذرة من خير تهزمُ جيشا من الأشرار؟ زميلك الذي صادقا أحببت (جبار) اختفى فجأة من فراشه في مسكن الطلاب بعد أن أدار حفلة شعارها (بالحبِّ وحده نُغِّيرُ الكون) ففسَّرها الطغاةُ تحريضا على الانقلاب، ومثله كثير مِمَّنْ أحبَّ الناسَ والحياةَ؛ بشير،عادل، حازم، جورج، حسام، محمد، ستار، حميد، باسم، شيرين، سردار؛ انتصار التي أُرغِمتْ أمُّها العجوز أن تبيع شالها كي تسدِّد قيمة الرصاصات، تهمتُها تُنشدُ نيرودا، وتُسمِع الناس صباحا تراتيل حبٍّ لفيروز، أما الشفَّاف (كريم) فمِن زاخو أعادوا قميصه، وظلت بعده هضيمة (لوحة العصافير) لم تكتمل ألوانها بعد، فهل تجرؤ أنت المفصول من درسك، المحكوم غيابا بالموت أن تسبح عكس التيار، وأن تخالف الرأيَ مسؤولَ القرية وهو خليفة الله على الأرض؟ كن عاقلا واسمع نصيحة الجدَّة: كنْ عاقلا يا ولدي، لا تلقِ بنفسك مُختارا في النار، مَنْ تزوَّج أمَّك فهو عمٌّ لك، ولا تستهِنْ بها مشورة الحكام، فللحكومة بختٌ كبير قد يُؤذينا ويُؤذيك.

الماءُ الآسن يغلي، يحثُّ الخطى قاصدا منبع النهر، والمساكين مُخدَّرون نيام تحت أضلعهم أفاعٍ، عقارب قاتلات، أسلموا أمرهم لما أشار الكاهن أنْ تلك مشيئة الذي بقبضته مفاتيح الكون، ولا اعتراض على ما شاء، أو أن الساعة قد دنت وتلك واحدة من العلامات، مَنْ عجَّل فيها فلَهُ ثواب عظيم، وحين يغفو شعب على ماشلَّ تفكيره من أفكار فلا بد من صوت يصمُّ الآذان فيوقظهم، أو وخزة من عصا صديق أو عدو، لهم تعيد الرشد.

صوت الجدَّة من خلفه، وعصا المسؤول مشفوعة بفتوى الكاهن من الأمام، تنهيدة الحبيبة الحرَّى كاد يسمعُها عبر المسافات، عطشى لجرعة ماء زلال من كفِّ الحبيب، فالشمعَ قد أوقدتْ، وباتتْ بكفَّيها عجينة الحنَّاء، لم يبق إلا أن يطهِّرها ملكُ الماء؛ فيكمل العرس، إلهُ الشمس أطلَّ برأسه من خلف السحاب، اعتلى الكوخَ المتهالكَ (سمَّارُ) فصاح بأعلى الصوت: يا قومُ، يا قومُ، مَنْ قام منكم سامعا هذا النداء فليحتطب حزمةً، قصبا أو برديَّا، ويُغلق بها أقرب ثغرة تسحُّ النفايات إلى النهر النظيف، ومَنْ لم يستطع فليُلقِ بحفنة من التراب، ردِّدُوا الأناشيد، وغَنُّوا مواويل عشق؛ فليس في الدنيا ألذُّ وأحلى من العشق.
تعالت الزغاريدُ، زغاريد العاشقات، الحالمات بأن يُلقينَ غدا ثيابَهنَّ في الغدير، العاشقون انتفضوا من كل حدب وصوب، واحدة تلو الأخرى أغلقوا الثغرات؛ فولَّى هاربا نحو جحرِهِ، ذلك الزبدُ الآسنُ… البغيض.

4 thoughts on “زبَدٌ على السواحلِ والشطآن.. قصَّة قصيرة.. بقلم: مديح الصادق

Comments are closed.