23/09/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

قصّ بمداد الإنسانية… قراءة عن المجموعة القصصية ( الريح تكنس أوراق الخريف) للروائي منذر فالح غزالي بقلم الأديب محمد إقبال حرب.

1 min read
Spread the love

قصّ بمداد الإنسانية

بقلم الأديب محمد إقبال حرب

دائمًا تشدني القصص القصيرة لقراءتها أو كتابتها حيث إنها في معظم الأحيان تتّسم بكثافة اللّغة وعمق الدلالات والرؤى. القصة القصيرة المميزة تلك التي تأسرك قارئًا وباحثًا ومفكرًا، إذ إنها لا تنتهي مع توقف الكاتب عن البوح، بل تفتح أمامك فيضاً لا ينتهي من النهايات التي ترسمها قدر ثقافتك وخيالك علك تصل إلى صومعة الكاتب فتدرك الحقيقة. في عالم (الريح تكنس أوراق الخريف) للكاتب والناقد المبدع منذر فالح الغزالي تنقلت بين فضاءات المشاعر الإنسانية والاجتماعية في رحلة وددت لو أنها طالت بطروحاتها وجمالياتها الفكرية واللغوية؛ إذ إن توغله في الذات الإنسانية وترهاتها كما الطبيعة وأسرارها كباحث عن أسرار أخفاها القدر مع سبق الإصرار هو سر إبداعه. اقتحم الممنوع في عمق الإنسان والمجتمع، ذاك الذي يخافه المواطن ويفخر به الحاكم.

قصص ثمانية تنهل من عمق الذات الإنسانية وبراح المنظومة الاجتماعية كتبها الأستاذ منذر فالح الغزالي بجمال اللغة وسلاسة الطرح وعمق الوصف الذي يشدك إلى عالم كل قصة لتشعر بفرح الشخصيات وارتباكها، بحزنها وأحلامها مع عطر الخريف تارة واختناق المدينة أخرى. كان بودي أن أغوص في كل القصص مستكشفًا لأنها تستحق الجهد، فغزارة المواضيع الاجتماعية والإنسانية، بوضوحها تارة ورمزيتها تارة أخرى تثير في النفس تساؤلات بين الفرح والشجن. سأكتفي بالغوص في قصتين وإلقاء الضوء عليهما كما وصلني النور من خلال أشعة العطاء الفكري الذي أطلقه الكاتب من شعلة أفكاره.

في القصة الأولى، قصة موعد حيث براءة المشاعر وطيبة القلب تحملك إلى عالم رومانسي مفعم بالأمل. قد يعتقد بعض القراء أن البطل القروي الساذج قد وقع في فخ، لكن الكاتب، كما أعتقد؛ قارن بين براءة المشاعر وصدقها ووحشية من يستغلونها. استغلال مشاعر الطيبين صفة يمتهنها البعض لأسباب مادية ويمتهنها أصحاب السلطة لإحكام قبضتهم على المجتمع. بطل القصة العاشق المتيم وجد أن موعده الغرامي الذي اعتبره بداية قصة حب لا تنتهي أودى به إلى ماخور تعمل فيه فتاة أحلامه. وهذا ما يحملنا إلى حيث نجد الطيبين الأنقياء من أفراد المجتمع يسقطون في ماخور الوطن الذي يديره أصحاب الياقات وأقنعة الدجل. نعم لا شيء بالمجان، كما قال طارق لصديقه البطل الذي استدرجه من عالم العشق إلى عالم الرذيلة. يبدو واضحًا أن البطل تفاجأ بحقيقة الأمر عندما قال له طارق: “وهل تظن أن الدخول إلى هذه الأماكن بالمجان”. أحد الأبواب التي أنارتها النهاية هي كمّ الصدمة التي اعترت البطل وهو يجد نفسه في العالم المضاد. ربما أستطيع التخمين أن ردّة فعلة ستكون موازية لردّات فعل شعوب العالم العربي الذين عاشوا خيبات أمل متتالية في عمق وطنيّة تم حجزها في ماخور الوطن المغري.

القصة الثانية (المرأة التي علمتني).

الموضوع الذي تطرق إليه الأستاذ منذر في هذه القصة موضوع يتمدد في شرايين البشرية عامة والعربية خاصة، موضوع عملت عليه المؤسسات الغربية من خلال تشريح مشكلة الانتحار لإيجاد حلول تساعد في إنقاذ بعض الأرواح من فناء، بينما يتجاهلها العالم العربي لأنها من المواضيع التي حُرّم الخوض فيها تحت شعار (الانتحار يودي بصاحبه إلى النار).

تبدأ القصة بعودة سليمان الحبيب إلى قريته متقاعدًا بناء على طلب الطبيب ليمارس رياضة المشي ويستنشق هواء الطبيعة العليل. في أول رحلة مع الطبيعة يلاحظ سليمان التغير الذي طال الطبيعة. يقول الكاتب: “وصل إلى جدول صغير، ماؤه العكر الراكد تحول إلى مستنقع تفوح منه روائح كريهة ويحوم حوله الذباب والبعوض”. يضيف: “أحجاره السوداء ما زالت تدل على المجرى القديم حيث كان نهرًا عريضًا” و: ” أما الطاحونة نفسها فقد توقفت عن العمل منذ سنين”. أرى الكاتب وهو يزيح ركام الإهمال والفساد عن جمال الطبيعة فيراها عبر سليمان كما كانت منذ عقود حيث كانت مصدر الوحي والإلهام بين الوادي والشلال وعبق الطبيعة الساحر. كان ذلك قبل أن تسقط قيم الجمال والطبيعة في أيد لا تحفل  بما يدر أرباحًا طائلة.
يتذكر سليمان نفسه يوم كان شابًا مـُحبَطًا، خسر حبيبته كما انسدت أفق الحياة الكريمة أمامه فقرر الانتحار حيث أن أفكاره وفلسلفاته اليومية لم تُنر له درب أمل. سار عبر سكة حديد الحجاز الشهيرة، المهجورة إلى الجسر الحجري ليلقي بنفسه إلى الفناء منتحرًا. يقول سليمان متذكرًا: “وقفت على الجسر الحجري وقررت أن أقفز تحت مطرقة الشلال القاسية، فإن لم أمت من ارتطامي بالصخور، فإن المجرى سيسحبني إلى بحيرة طبريا وأقضي في مكان مجهول”؛ لكن القدر أرسل له سيدة ذات ملامح مختلفة عن أهل القرية لتنقذه ببراعة تنم عن شخصية مميزة. روز التي تقدس الحياة رغم مرضها القاتل كما عرف سليمان لاحقًا. الحوار المميز بين روز البولونية الأصل وسليمان يبحث في فلسفتي الحياة والموت بين عاشقة الحياة والساعي إلى الفناء. يقول سليمان لروز: “على كل حال، لا فرق بين الحياة والموت، أحيانًا يكون الاستمرار في هكذا حياة انتحارًا”.

ترد روز: الحياة والموت نقيضان، والنقيضان لا يتساويان. الحياة حياة والموت موت.

تقول روز لاحقًا: “ما دمنا نحيا علينا بمقاومة الموت”. يجيبها سليمان: “نحن نحيا فقط لأننا لسنا أمواتاً”.

في الواقع ما يطرحه الأستاذ منذر يعكس حال جيل كامل من شبابنا الذين يناشدون الموت يأسًا من الحياة القاتمة. هذا الحال يطرح سؤالًا كبيرًا وجوديًا: هل سنشهد عمليات انتحار متلاحقة لا يستطيع الإعلام التستر عليها ولا يقدر المجتمع  طمسها  رغم اقتناعه أن الانتحار عار؟ هل سنتمكن من بث فلسفة مواجهة الموت طالما ننعم بالحياة؛ كما قالت روز؟ من سيزرع الأمل في صدور الشباب اليائس؟
الجميل في هذه القصة التي تطرح مشكلة اجتماعية عميقة يطرح حلولًا على لسان روز من خلال نقاشها مع سليمان.

القصة عامرة بوصف الطبيعة لما يخدم صراع الموت والحياة مع طرح مشاكل بيئية واجتماعية، كما أن الرسالة واضحة في معظمها عن أهمية البقاء وصراع الموت. ربما تكون هذه القصة حافزًا للشباب للتشبث بالأمل وللمسؤولين بتقليل روافد اليأس المبرمجة الطاردة لكل من يعشق الحياة.

سأنهي هذه القراءة المتواضعة بما قالته روز، رفيقة وحدة سليمان، المريضة بسرطان يقربّها من الموت:
“الموت لحظة، ومضة سريعة، ثم تنطفئ حياتنا، وينتهي كل شيء، كما ينطفئ مصباح كهربائي بضغطة على المصباح. بعدها نفقد كل إحساس، وكل تفكير. أنا ما يعذبني هو الأيام المتبقية لي قبل الموت…” أن تشعر، في كل يوم تعيشه، أنك تستهلك يومًا من أيامك الباقية ، تتمنى أن يتوقف الزمن، كي تحافظ على الفسحة الضئيلة المتاحة لك من الحياة، وأنت تنتظر، بقلق وهمّ، لحظات الموت وشيكة، كل حدث تعتقد أنه المرة الأخيرة، كل حركة وكل نظرة… هذا مؤلم، مؤلم كثيرًا، أمر لا يطاق انتظار الموت الحتمي الوشيك أصعب من الموت ذاته.

بين فلسفة الحياة والموت صراع أبدي بين من يعتقد أن الانتحار عمل بطولي يؤدي للتخلص من حياة لم يطلبونها وممن يصرون على البقاء في تحد للفناء.
أخيرًا، أود الإشارة على أن المجموعة القصصية تحتاج إلى وقت طويل للغوص ودراسة كل فضاءاتها. أشكر الأستاذ منذر على هذه المجموعة القصصية التي وجهت مصابيحها إلى حيث تتكاثر خفافيش المجتمع.

الروائي منذر غزالي