الثلاثاء. أكتوبر 27th, 2020

.

A good word aimed at the service of humanity

كوابيس.. قصة قصيرة بقلم: ليلى عبد الواحد المرّاني/ العراق

1 min read
Spread the love

كوابيس
  في عمق عينيك يا أخي نظرت.. هل كنت خائفة، مرتعبة أو مشفقةً عليك؟ حاولت جهدك أن تتماسك، لم تنظر نحوي، كان بإمكاني أن أصرخ، أن أهرب من أمامك، فتكون رصاصة غضبك وشرفك المهدور في ظهري، وقد لا أموت، وقد أبقى أتعذب أمامك مشلولةً كسيحة وأعذب ضميرك؛ لكنني اختصرت لك الطريق، مرتجفةً، راضية أن تنهي عذابك وعذابي. للحظةٍ، رأيت ارتعاشة يدك وأنت تصوّب رسالة الموت نحو صدري، أغمضت عينيّ كي لا ترى نزف دموعي.. وبكلّ حبي لك، وبكل خوفي وكل يقيني أنك تظلمني؛ دعوت الله أن ترمي سلاحك وتعتقني.. وبكل غضبك وجبروتك، واتهامات قاتلة ملأت سمعك وأوغرت صدرك، أطلقت رصاصتك، وسقطت براءتي تحت قدميك تنتحب، معفّرةً بدماء لن تنظف يا أخي.. أراها الآن وأنا أرقبك كسمكةٍ تتقلب على رمال شاطئ مهجور، وقطرات من دمي تلوّث وسادتك. سؤال لا يزال يضجّ في رأسي ويعذبني.. أمي، هل كانت طرفاً في مسرحية غسل العار؟ دعني أطوف عليها في فراشها، وأحكي لك لاحقاً عن العار الذي تعتقدون أني ألحقته بكم فأصدرتم حكماً بإعدامي، حتى قبل أن تسمعوني.
أمي.. نائمةٌ أنت أم تتعذبين؟ أرى دموعك، أستشعر لهيبها يحرق وجهك، سأرتشفها بشفتيّ.. صورتي هذه حين كنت صغيرة تضعينها الآن جنب رأسك؟ لمَ يا حبيبتي لا تضعين آخر صورةٍ لي، تحبينها وترددين إنك أحلى من القمر يابنتي؟ هل تخافين من غضب أخي؟ أتشعرين بوجودي الآن منحنيةً أقبلك؟ سأتسلّل تحت غطائك، أنام إلى جانبك كما كنت صغيرة، اشتقت لدفء حضنك يا أمي.
أتعرفين، لم أتألم حين اخترقت الرصاصة قلبي ومزقته، طلقة الرحمة كانت.. ولكن ألف رصاصةٍ نخرت جسدي وروحي وأنت تقولين في المحكمة وتقسمين.. كان ينظف مسدسه الفارغ، فانطلقت رصاصة منه وقتلتني. أعلم جيداً أنك ترددت ألف مرة قبل أن تطمسي الحقيقة.. أخي قتلني بكل إصرار وبدم بارد، سمعت شهقتك وأنت تبتلعين كذبتك، وجيراننا بتعاطف كبير يهزون رؤوسهم مؤيدين..غسلاً للعار، تستحق القتل.. أسمع أصواتهم مكتومةً في صدورهم تنعق. طفت حولكم جميعاً.. أنت وأخي، وتلك الوجوه القاسية تحيط بكم، حاملةً قلبي الممزق بيدي، وهتفت بأعلى صوتي.. أنا صابرين، من رحم أمي خرجت طاهرةً نقية.. وإلى ربي صعدت، طاهرةً نقية، لكن صوتي المخنوق ضاع في زحمة التصفيق والتهليل ببراءة أخي. صابر…ين، هذا الإسم الذي أشقاني، كنتِ مصرةً أن تطلقيه عليّ رفست في بطنك، متشبثةً أقاومك وأنت بإصرارٍ عدائيّ تحاولين لفظي من أحشائك، مصدومةً حدّ الجنون باستشهاد والدي في الحرب.
رغم أن براءتي لم تعد تجدي نفعاً، لكنني أطالب بمحاكمة عادلة الآن، ثلاثتنا، أنت وأخي، وأنا شهود ومتهمون. دعوني أطلق صوتي الذي خنقتوه، فهو يعذّبني. تهمتي أنني أحببت، نعم أعترف بأني أحببت.. صغيرة كنت، ستة عشر عاماً حين أحببته. وهبني حبّاً ملأ كياني وامتلك كل مشاعري، تعرفه أنت يا أخي.. صديقتي التي رأيتها في أحضانك، تذوبان عشقاً، أخوها.. نعم هو أخوها. أردت أن أذوب عشقاً أنا أيضاً في أحضانه كما فعلتما.. وذبت. أماكن بعيدة لا أعرفها يأخذني، يمتص رحيق شفتيّ، فأشعر بخدرٍ لذيذ يشلّ مقاومتي، ويصورني حين يراني منتشيةً، فأضحك.. ولكنني أفقت مرتعبةً حين أراد أن يمتلك جسدي، خفت وهربت. صوري لديه أصبحت قنبلةً موقوتة يهددني بها.. سأرسلها لأخيك.. فأبكي وأتوسل، واتفاق بيننا أن يكون آخر لقاء، يمنحني بعده حريتي وأدلّة اتهامي، صوري.
كيف عرفت يا أخي بموعد ومكان لقائنا؟ كالقدر المشؤوم، عيناك تقدحان شرراً وجدتك أمامي، والصور في يدك، والحبيب هرب. من شعري سحبتني حتى البيت، وعيون الجيران متلصّصةً شامتة تراقب المشهد. لم أنطق بكلمة، هربت دمائي من شراييني، توسّلتك دموعي أن تغفر لي، ولكنك الآخر لم تنطق. كان ليلاً مرعباً وطويلاً، تتراقص فيه أشباح الموت والدم، أعقبته ثلاث ليالٍ أكثر رعباً، وأنا في غرفتي سجينةً انتظر حبل المشنقة يلتفّ حول رقبتي. بصمتٍ حزين تضع أمي طعاماً وماءً إلى جانبي، تتحاشى النظر إليّ، وجهها ممتقع ويداها ترتجفان، فأوقن أن محاكمةً سرية تعقدانها معاً، وسيصدر الحكم عن قريب.. وصدر..
يابنتي.. ياقطعة من روحي سلبت، بل روحي كلها ماتت معك. لا أعرف غير حقيقة واحدة، نظرات جيراننا المستنكرة، الحانقة، مشبّعة بالاتهام والسخرية يحرقون بها جسد أخيك كألسنة أفاعٍ سامة.. رأى أخته عاريةً وبالجرم المشهود في أحضان رجل، ويفتل شاربيه.. لا عاشت شواربٌ معفّرة بالرذيلة، ويبصقون. الهمس أصبح صاخباً يعوي كذئاب مسعورة.. الألسن يا صابرين أصبحت سكاكين حادة تمزق أجسادنا وأرواحنا. أخوك، ولثلاثة أيام لم يغادر البيت، الأرق أصبح غولاً يجثم على صدره.. أراه يطوف في أرجاء البيت ليلاً، يزفر حمماً من الجحيم، غارقاً ببحر من دخان سجائره.
خرجت في اليوم الرابع وهمت في الشوارع أبكي، وظلال الموت تلاحقني..
__إذن كنت يا أمي تعرفين أنه سينفذ حكم الإعدام بي في ذلك اليوم، فهربت..
( أطرقت الأم رأسها، وانهمرت دموعها معتذرةً، شلالاً..)
الآن دورك يا أخي، شهادة صادقة أطلبها منك.. أريدك أن تزيح جبال الحزن عن كاهلك، وتنام. يومياً أطوف حولك، تتقلّب أراك، وأحياناً تقفز من فراشك مرتعباً، وتبكي.. تنظر إلى يديك، تمسحهما بعنف بجدران غرفتك، أتألم عليك وأصيح، لن تزول دمائي، وشماً أصبحت على يديك..
__ أنت تعلمين يا صابرين كم أحبك، أصبحت لك أباً حين قتل والدنا في الحرب، أجهضت محاولات أمي وإصرارها في اسقاطك من رحمها.. توسلتها أن تحتفظ بك فقد كنت وحيداً. فارق العمر بيننا فقط ست سنوات، ولكن إحساساً ملأني حين ولدتِ بأنني كبرت عشرين عاماً، وأباً لك أصبحت، محور حياتي كنت.. جميلةً، رقيقة كسحابة صيفٍ بيضاء نقية. ملتصقةً بي أينما ذهبت، وفجأةً تغير الحال، ومن صديقتك التي كانت عشيقتي وهجرتها، عرفت أنك تختلين بأخيها. آخر مرة رأيتك فيها، باكيةً، ذليلة تتوسلين، وصورك في يده يعبث بها ويضحك، رماها في وجهي حين رآني وهرب. تتبّعتك حين تخرجين متلصصةً، تتلفتين، تغلي الدماء في عروقي، تكاد تنفجر.. رافضاً أن ترتمي أختي الصغيرة، إبنتي في أحضان رجلٍ يعبث ببراءتها. ثلاثة أيامٍ يا صابرين كانت جحيماً اصطلي به، قلبي يتمزق، بين أن أحتضنك وإلى صدري أضمك، ملاكاً بريئاً يغتسل بضوء القمر، كما عهدتك.. وأن أخلصك من شيطانٍ تلبسك ولوّث براءتك. دموعك، ونظراتك التائهة زادتني غلياناً، وصمتك حطم كل جدران تحملي.. واستسلام أمي وحزنها الصامت ألهب مشاعري غيظاً.. ارتجفت يدي، وللحظةٍ كنت سأرمي سلاحي وأهرب حين التقت عينيّ بعينيك المستسلمتين.. لو نطقت حرفاً.. لو قلت، لا يا أخي.. لكنت صوبت مسدسي إلى قدمي. عَذَابٌ طحنني وطحنك أنهيته وأنا أرتجف..
سأحمل دموع أمي وشهقات أنفاسك يا أخي.. وأرحل.

3٬222 thoughts on “كوابيس.. قصة قصيرة بقلم: ليلى عبد الواحد المرّاني/ العراق