23/09/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

لحظة انتظار… قصَّة قصيرة. بقلم: ليلى عبد الواحد المرّاني/ العراق

1 min read
Spread the love

لحظة انتظار

اكتظّ بيتنا، على سعته، بنساءٍ يتلفّعن بعباءاتٍ سود، ورجال اتخذوا من حديقة البيت مكاناً للدردشة وتدخين السجائر والانتظار، والدي على سريره فاقد الوعي بعد أن انقطع عن الطعام والشراب، صاح فجأةً بصوتٍ مُتهدِّج ضعيف: ” ابعدوا عني، لا أريد أن أذهب معكم..” وقد فتح عينيه بشكل لم يسبق أن رأيناه من قبل، ينظر برعب إلى أعلى الحائط المقابل لسريره، ويردِّد أسماء من رحلوا من أقاربه، قديماً وحديثاً، مشيراً لهم بإصبعه المرتجف، أحسسنا أن النهاية اقتربت، سبق أن سمعناه يردد مراراً وبنوعٍ من الفخر والتباهي أن الرجال في عائلته استورثوا صفةً مميزة، يظهر لهم موتاهم في لحظات الرحيل ليصطحبوا (المُرشّح) معهم كي يتغلٌب على خوفه من الزائر المُرعب!
كعادة عوائلنا في الجنوب، يأتي الأقارب من كل صوب، وحتى من المدن البعيدة، يعقدوا جلساتهم حول المرشح المُسجّى، إلى أن يلفظ آخر نفس، همساً تبدأ أحاديثهم، ثم يعلو الهمس حتى يصبح ضجيجاً، تدور عليهم أكواب الشاي دون انقطاع، ووجبات الطعام التي يتجشؤونها بعد ذلك بكل صخب.
فجأةً، وبعد صمتٍ طويل، أخذ والدي يطلق أنيناً عميقاً متواصلاً، كان صداه يلاحقنا حتى أطراف الحديقة الواسعة لبيتنا، التي هربنا إليها خوفاً وألماً.. أغمي على أختي الصغرى، إلى بيت خالتي القريب نقلوها، قالت إحداهن: هل يتألم؟ لماذا هذا الأنين الموجع؟ عمّتي أجابت بثقة: إنه ينتظرها، رمقتها أمي بنظرةٍ حادةٍ، باكية غطّت العمة وجهها بطرف عباءتها، لم نفهم حينها مَن تقصد عمتي، لكن إحداهن همست.. بنت خالته بدرية، ما بها؟..سألت الأخرى بحذر من خلف عباءتها، كانت حلم حياته… عشقها وهام بها حبّاً، لكنها رفضته وتزوجت من رجل غريب.. عاقبها الله، فلم تنجب.
استشاطت أمي غضباً، ولملمت عباءتها، منذرةً بطوفان انفجار كبير، نظراتها انصبت على الوجوه ألسنةً من نار، لكنها لم تنطق.. وعلا الأنين، كأن الروح محبوسةٌ داخل قمقم، تريد الانطلاق، لن يسلّمها إلاّ حين تأتي، هتفت عمتي بثقة وهي تبكي..ستأتي حتماً، اتصلنا بها..
وزمّت أمي شفتيها بغيظ..
حركة مفاجئة دبّت بين النساء، وهمهمةٌ تعالت.. لقد جاءت.. بدرية جاءت، بقامةٍ فارعة، ألقت السنين ثقلها عليها فانحنت قليلاً، ووجه صارع مخالب الزمن، لا يزال محتفظاً بشيء من رقةٍ وعذوبة.. اخترقت جموع الباكيات، وعند رأسه انحنت، طبعت قبلةً سريعة على جبينه المتعرّق، أمسكت يده التي دبّت فيها ومضة حياة، وفي أذنه همست باكية: أنا هنا يابن خالتي.. أنا بدرية، هل تسمعني؟ صاحت عمتي بجزع: إنه يحرّك شفتيه، ثم ساد صمت عميق… ماذا لو علمت قبل أيام؟ هتفت بدرية باكية، وانطلقت نظرة؛ رصاصة اتهامٍ من عمتي نحو أمي التي امتقع وجهها،
وماذا كانت ستفعل؟.. قالت باحتجاج، وفِي صدري كان صوت ينوح باكياً: لكانت وفّرت عليه ألم الانتظار، ووجع الأنين.
نهضت الزائرة الحبيبة، وفِي ركن قصيّ من الغرفة تكوّرت داخل عباءتها، تلاحقها عيون تحمل ألف سؤالٍ وسؤال. غطّت وجهها، وانسكبت ساخنةً دموعُها بصمت… توقَّفَ والدي عن الأنين..

4 thoughts on “لحظة انتظار… قصَّة قصيرة. بقلم: ليلى عبد الواحد المرّاني/ العراق

  1. Viagra Prescrizione Secure Tab Doryx In Internet Shipped Ups Free Doctor Consultation Finasteride En Ligne viagra Zertane Vs Priligy Cheapeast secure ordering isotretinoin where to order no prescription

Comments are closed.