25/11/2020

.

A good word aimed at the service of humanity

لحلم نخّاسُ الرّماد (قصة قصيرة) للكاتبة زهرة خصخوصي… / تونس

1 min read
Spread the love


الحلم نخّاسُ الرّماد (قصة قصيرة)

زهرة خصخوصي… من تونس

السّماءُ تبتلع شمسا همّت بالضّياء، والتحفت مذ صباحها بالصّفار…

فيضٌ من الغبار يجتاح وجه المدينة.

يجتثّ أطرافَ المدينة فيضٌ من غبار.

في الشّوارع الخلفيّة القصديريّة والأزقّة الآجوريّة كلُّ شيئ يفرّ من كلّ شيء، كلُّ شيء يضرب كلَّ شيء، وكلّ شيء يهجر كلَّ شيء نحو متاهات الخطى…

السّماء من عَلٍ تمطر أشلاء مطّاطيّة، حديديّة، خشبيّة، وشظايا حجر…

الأرضُ من تحتٍ تميد بالأقدام اللّاهثة كبساط تؤرجحه الرّياح.

بين جدران الأكواخ المرتجفة تتضامُّ أجساد طريّة نحيلة في جزع، تتضامّ الأجساد الطّريّة النّحيلة في هلع، وتشعّ بوارق بالدّعاء:

“يا لطيف… يا لطيف… يا لطيف…”

من أفواه الأكواخ المتداعية تنسلّ أجساد كالأشباح تلوذ بالعراء، تنسلّ صياحات كالصّدى تستنجد في عتمة العاصفة بالنّجاة المستحيل…

ويشتدّ العويل…

ويحتدّ في زخم الشّتات طلب الحياة، ولا دليل…

خارج الأكواخ، سكّان أطراف المدينة يتدافعون ويتدافعون ويتدافعون، يدوس بعضهم أجسادَ بعضهم، يرومون من الهلاك فرارا، قد يقدرون ولا يقدرون.

يَشرقون بالتّراب المتهاطل عليهم بلا هوادة…

يَشرقون بصرخاتهم، ينتفضون على إيقاع رقصة الدّيك الذبيح، ينتفضون وينتفضون، ثمّ بهم تُشرق العاصفة…

تنشد نايات مرفرفة إلى الأفق البعيد:

“هناك.. في ضحل الدِّنى

لعلّي مثل الباقين.. نسيت البوصلة

فرفقا بهم أيّتها العاصفة الجامحة…

أنا هناك.. ما تعلمت رفع الشّراع

ولا أتقنت فنّ عشق السّارية

ووحدي.. كم كانت تخذلني المرساة والسّفن راسية

ووحدي أبحر فيك.. بلا بوصلة

ولا أخطئ دربي إلى المدى…”

هناك، غير بعيد عن ركامات الأحياء الخلفيّة المنسيّة، تشرئبّ قصور فخمة بأعناقها، تتحدّى في صلف زئير الرّياح الغاضبة وجعجعة رحى الهول الضّارية.

بين جدران غرفها الباردة تتضامّ أجساد والوسائد، ويعقل الخوف الخطى…

“أمّاه” صرخة الابن المجزوع في مهده، لا يصل منها إلى الأمّ المذعورة صوت ولا صدى.

صمٌّ في مقاصل خوفهم لا يسمعون…

بكمٌ في مقاصل خوفهم لا يستنصرون…

وتُغرق شتاتَهم في الشّتات ذي العاصفة.

يرتجّ الجدار تلو الجدار، تتعثّر السّاق بالسّاق ولا فرار، خطى ناعوريّة لا تهدأ، خطى ناعوريّة معقولة إلى محارق الجزع، لا شيء يذكُرها غير الرّياح، لا شيء يسكنها غير الرّياح، لا نبض يغازلها غير رفرفة عقيمة في رحم الجناح…

وينسى الهاربون إلى المصاعد الكسيحة أطفالا ضلّوا الطّريق بعيدا عن الجدار.

وينسى الهاربون إلى المصاعد الكسيحة شيوخا أقعدهم الوهن عن الفرار.

وترتجّ القصور…

السّلالم تحت الأجساد المتلاطمة تخور، وتطمر الجاه الرّفيعَ العاصفة.

ثمّ يعلو أنينُ طيف متعثّرا يمضي في المدى:” ها ذراني الرّماد رفاة في ارتحالات الرّماد الغريب…”

وبعيدا عن هذا الزّحام، في نفق القطار السّريع، صبية فرّوا من رجفة كفّ الرّصيف، فلا كوخ يؤويهم ولا قصر عنهم يذبّ شبح الموت المخيف.

جعجعة رحى العاصفة يردّدها الصّدى في رحم النّفق، ومن خزائن العاطفة يهب الصبية أجسادهم جدرانا تسند بعضها في ارتجاجات الحياة فوق النّفق، صبية بحرّ تلاحمهم يتدفّؤون، يعانقون الصّمت فلا تسمع في سيل العتمة غيرَ همهمة بريق العيون.

زئير العاصفة يهدأ رويدا رويدا رويدا…

يخفت صدى الانهيارات، تصّاعد روائح الاحتراقات، وينهمر المطر…

تتعالى في أرجاء النّفق صياحات رجيفة:” لنخرج سريعا من النّفق، من السّيل القادم هلمّوا إلى النّجاة، السّيل قادم والغرق، أيا رفاق هلمّوا نفرّ إلى الحياة.”

يهرعون إلى فتحة قريبة في النّفق، بعضهم يدفع بعضا، بعضهم يجذب بعضا، بعضهم يسند بعضا…

أحدٌ تعثّر، يتلقّفونه، يحملونه جسما هزيلا معه يتوقون إلى النّجاة من الغرق.

ويعتلون ظهر الرّصيف…

ويهلّلون للنّجاة.

تغرق خطاهم في ركامات المدينة وقد تكدّست كأنّها أوراق غابة أجهضت أحلامها كفّ الخريف.

لا موضع قدم يفترشونه للمقيل…

ما ظلّ جدار يسند عودهم آن تعب.

لا صوت ينهرهم إذا ما ضجّت خطاهم بالصّهيل.

ما ظلّ صدى للّاهثين خلف القوت، ولا صخب…

زاغت أعينهم في فوضى الفراغ، ضربت خطاهم في حطامات القصور على غير هدى.

نايات الموت تصدح بالفناء، والصّبية بنظراتهم ينبشون عن محلّ بقالة كان هنا، عن مخبزة كانت هناك، عن بقايا مزبلة…

فجأة، من بعيد، تتراءى لهم واجهة متجر الحلويّات الفاخرة. فيهرعون إليها متسابقين متدافعين.

يتعثّر أحدهم فيتساقطون.

يصيح كبيرهم:” ويحك يا فتى… !”

يزعق صاحب الشّعر النّحاسيّ الأشعث:”إنّه خليل، ما كنت أنا.”

إلى خليل شزرا يحدّقون، يزمجرون، وعليه كضباع جوعى ينقضّون أو يكادون.

يصرخ ناشجا:” رحماكم، إنّي بهذا تعثّرت.”

يتوقّفون، يحملقون، ونظراتهم بالصّندوق المفتَضّ سرُّه قد تعلّقت…

الصّندوق الذّهبيّ يفتح فاه مسكونا بشهقة الفزع الدّفين، والصّبية تفترّ أفواههم مفتونة، في لهفة، بالكنز الثّمين. ثمّ ينقضّون عليه يجرّونه إلى بقايا واجهة المتجر بكلّ ما في الجسد من توق إلى الرّخاء.

يستندون إلى ما ظلّ في الجدار من خواء، ويغرقون في عدّ المال الكثير…

يعدّون، ويعدّون، ويعدّون…

والمال لايزال منه في القاع الكثير. فتعالى فيهم الهديل:” لنا الثّراء، فما عاد يجفلنا شبح الرّغيف المستحيل.”

ويتراقصون على ما ظلّ من كفّ الرّصيف، يودّعون ما ظلّ يسكنهم عمرا من صقيع مساءات الخريف.

يتراقصون ويتراقصون ويتراقصون…

ثمّ يتداعون إلى الجدار يسندون إليه أجسادا أرهقتها ارتجاجات النّهار، يريحون أرواحا تقتات من ثغر الصّندوق للغد وعد النّضار…

وفجأة يعلو الدّويّ ويختنق الأنين تحت ركام جدار متجر الحلوى وقد تداعى عليهم وعلى غد كأنّه دوما بالفرح ضنين.

وتفتح السّماء صدرها لأسراب الحمام، ويغرق الأفق البعيد في النّشيد:

“كم كنا نرسم.. بطبشور الصبر

على جدارات الخطى

زئير الشتاء… ونجمة

ونهيم في ضمة الليل الطويل…

وكنا نحلم.. حين يهطل فينا المطر

بفجر يلوّن سيل الصّدى

وناي يشدو بنغمة

تمسح عن وجه الفجر رماد العويل…”