18/01/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

مذكَّراتُ أسير عراقي.. بقلم: بشَّار حربي السبتي/ العراق

1 min read
Spread the love

مذكَّراتُ أسير عراقي

٦ كانون الثاني ١٩٩٢، يومٌ لن أنساه، كنتُ حينها قد أمضيت ٤ سنوات أسيراً في إيران، وكان طعم الذل قد حلَّ رويداً رويدا، بديلاً عن طعم البرحي والسمك المسگوف، وطيّبات الوطن الحبيب.
كنتُ حينها معزولاً مع ١٣٣٠ أسيرا عراقيا من مختلف الرتب العسكرية في معسكر (رينة) الواقع عند الحدود الشمالية لإيران، بالقرب من بحر قزوين، وهذا المعسكر عبارة عن قاعدة تجسس أقامها شاه ايران قديماً ضد الاتحاد السوڤيتي في حينها، ويقع على قمة جبل (دماڤند) على ارتفاع ١٨٤٠٦ قدم أو ما يعادل ٥٦١٠ متر، فوق مستوى سطح البحر.
لقد اعتاد الإيرانيون معاقبتنا بشكل جماعي في مثل هذه المناسبة من كل عام، حيث وضعوا في العام الفائت مادة الكلور في ماء الشرب والطبخ، فأُصيبَ الجميع بإسهال حاد ، اضطر القائمين على المعسكر إلى جلب أكثر من ٤٠ صفيحة (علبة أوتنكة) لاستخدامها كمراحيض، تضاف إلى ثلاثة مراحيض مبنية (بدون أبواب – هههه)، حيث يمتد بصرك إلى مهزلة بشرية قوامها ٤٠ أسيرا يجلسون على تلك التنكات في كل لحظة على مدار يوم كامل، الأمر الذي أدى إلى استشهاد عدد من الأسرى نتيجة لذلك.
وفي هذا العام ١٩٩٢ ابتدعوا معنا طريقة جديدة في العقوبة الجماعية، كيلا يُتاح لنا الاحتفال بطريقتنا البسيطة الخاصة بعيد جيشنا الأغر، لأنهم على ثقة من أننا سنحتفل بالمناسبة ولا يهمنا ترهيبهم.
قاموا منذ الصباح الباكر (السادسة وعشرين دقيقة) بإخراجنا إلى ساحة المعسكر لإجراء التعداد اليومي، وأبقونا واقفين بحالة استعداد (على شكل صفوف، يضم كل صف واقف ٢٠ أسيراً) لمدة تزيد على ٨ ساعات، في وقتٍ كانت السماء تنث علينا ثلجاً حتى تجاوز سمكه مستوى الركبة.
راهنَ قادة المعسكر على تململنا وقشعريرة البرد التي تصيبنا، ولا يستر أجسادنا سوى بدلة السجن الخفيفة الزرقاء الممزقة، وليس في أرجلنا غير نعلين ممزقين من النايلون، وهم ينظرون لنا نظرة شرسة فيها الكثير من الشماتة والاستهزاء والتعجرف، وبنادقهم مصوّبة إلينا، ونحن في وسط الفناء الداخلي الترابي للمعسكر ، المحاط بأربعة جدران لا تسمح لنا بالنظر ، سوى للسماء التي هي منفذنا للدعاء بالفرج، ولقمّة الجبل التي لا تبعد سوى ١٠٠ متر عن المعسكر.
سمحوا لنا بعد ساعة من الوقوف بتحريك أرجلنا وهي في موضعها، حيث أضحت الثلوج تحيط بها وترتفع باتجاه ركبنا، وكلما مضت ساعة، ضعفت مقاومة بعض الأسرى، فيسقطون مغشياً عليهم، كأنهم أوراق ذابلة في شجرة قديمة.
حين بلغ النهار منتصفه تقريباً، وكان السكونُ والصمتُ آلهة المكان، تذكرتُ بلدي الحبيب – العراق، وكيف يحتفل العراقيون بيوم السادس من كانون، فخرجت مني همهمةٌ بالنشيد الوطني للعراق:
( وطنٌ مدَّ على الأفقِ جناحا
وارتدى مجدَ الحضاراتِ وشاحا
بوركت أرضُ الفراتين وطن
عبقريُّ المجدِ عزماً وسماحا )
فشاركني الأسير الذي يقفُ بجنبي (وهو أحد الطيارين) دندنةَ النشيد، ثم شاركَ ثالثٌ ورابع، حتى صدحَ الجميع، في وقتٍ غيّبت كثافةُ الثلجُ الساقطِ وجهَ السماء، وصعد القرارُ بداخلنا، أن نغيضَ أعداءنا، الذين ارتعبوا من هيبةِ النشيد وصوت الأسرى المفعمِ بالقوة والتحدي. وما هي إلا دقائقَ معدوداتٍ حتى حضر آمرُ المعسكر، الرجل الشديد القاسي الغليظ القلب، ذو القسمات الإجرامية، واعتلى ظهر أحد الجدران التي تحدد فضاءنا، ونظرَ إلينا شزَراً، متوعداً بأقسى العقوبات ِ ، مزمجراً، وأمامَ استمرارنا بنطقِِ النشيد ، وبتواترٍ ينمُّ عن التحدي، لانت لهجته، والتفتَ إلى جنوده، وخاطبهم: خذوا العبرة في حبِّ الوطنِ من هؤلاء الأسرى، الذين يفتدون وطنهم، وهم بعيدون عنه بآلاف الكيلومترات. ليتنا نمتلك مثلهم، وو …
لاحت على وجوهنا أماراتُ الفخر، وبانت على مُحيّا كل منا ابتسامة شماتة.

6 thoughts on “مذكَّراتُ أسير عراقي.. بقلم: بشَّار حربي السبتي/ العراق

  1. انا بشير محمد مالم ، من الصومال، هذا المقال من احسن ما قرأت وشعرت بالفخر من النشيد الوطني بهذه الطروف ان حب الوطن بلسم ينسيك العذاب ،وخسر الذين باعوه ,تحية الي الرجال الابطال الذين ضحو ارواحهم للوطن بكل اوطانهم واديانهم

  2. Wonderful blog! I found it while surfing around on Yahoo News. Do you have any tips on how to get listed in Yahoo News? I’ve been trying for a while but I never seem to get there! Thank you

Comments are closed.