23/07/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

مسقط رأسي.. بقلم بومدين جلالي/ الجزائر

1 min read

بومدين جلالي

Spread the love

تحية لكل مَن يحبّ مسقط رأسه …. إليكم مني هذا النص البسيط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسقط رأسي:
 
(1)
مسقط رأسي قطعة من الفردوس نزلت مع الإنسان فتَخضَّبَتْ بنشوة الأزمان ونكهة المكان حتى غدت هي الزمانُ في المكان والمكانُ في الزمان بذاكرة تحكي “كان يا ما كان” ضمن سردية فيها مشاحناتُ الوجدان ونفحاتُ العِرفان وتعانقات الأحقاب حينما غَفا الزمان ودندن الصمت بتماهي الألحان ليقول لي:
– أبشر، هنا ستولد… هنا ستولد، وسيولد فيك عشقُ الشروق والبروق والسر المسروق والنبض المحروق بماء نار تسري في العروق…
(2)
مسقط رأسي كحرف ما قبل الحرف في كل لغة ليس فيها حرف… كتابه كبير كبير كبير، وعنوانه يتقاطع في الترميز والتشفير… في بعض صفحاته مرادفاتُ الجليد والجريد والحديد وبسمات العيد بعد العيد وسلطة النور السديد في تلافيف الوشم القديم الجديد ولحظات السهو الهائم الفريد وتصادمات الأحرار بالعبيد ومعزوفات الفصل العنيد التي قالت لي ذات يوم:
– لا جمال فوق جمال هذا المكان، ولا زمان خارج زمان هذا المكان…
(3)
مسقط رأسي عجبه عُجابٌ ولاعجبه عجب العجاب… في سمائه غزل اغتراب أزلي بين قمره وشمسه، وفي أرضه محبة انجذاب أبدي بين أقماره وشموسه، وبين أرضه وسمائه تلاحمٌ عاشق تروي بعض فصوله ليلياتُ ساهر آرق وصباحيات جبل شاهق وغرور خميلة عطرها بالشذى عابق… يسْكنُ الناسَ قبل أن يسكنوه وبعد أن يسكنوه فتهيم به جلسات الشاي ومساءات الناي وتراتيل الأذكار والآي وزغاريد البارود التي لا ينساها نسّاي… حينما يُسأل عن عجابه العجيب، يقول :
أنا من أنا، ولا أريد أن أكون إلا أنا.
(4)
مسقط رأسي يضحك فيه الأطفال كثيرا كثيرا، ويحلم فيه اليافعون كثيرا كثيرا، ويكدح فيه الشباب والكهول كثيرا كثيرا ويرتاح فيه الشيوخ كثيرا كثيرا… من هذا الحال صار رجاله هم الرجال، وصارت نساؤه هن النساء، وباتت نجومه تعمل ما في وسعها لتثبيت عيونها فيه أكثر من سواه، وباتت الرياح تتحول إلى معزوفات ساحرة عند الاقتراب منه، وبات الغيث الكريم يحب أن يضاف إلى وجهه الكريم وذكره العظيم، وباتت أناشيد السعد والمجد تبحث عن مكان لها في معنًى من معانيه… تحبه الطيور الثاوية فتتلون بألوانه وتتلحن بألحانه وتغرد أكثر الزمان لعلها تضيف إلى تغاريدها تغاريد أخرى ما سمعتها الحياة في حيِّز آخر… وتحبه الطيور الراحلة لا لتقتات منه فقط، وإنما لتستلهم منه ما أصبح وأضحى ثم أمسى وبات وما كان في عريق الأيام ثم فات وما لم يأت بعدِ لكنه آت، وتسمع منه حين ينادي بعد أن يتنفس الصبح قائلا:
– هذا فجر الفجر، ولا يأس بعد فجر الفجر…
(5)
مسقط رأسي فيه حنينُ الحنين وحنينُ ما بعد الحنين… فيه رائحة أمي لما كنت ملتصقا بثديها ويدي تعبث بخصلات شعرها وعيناي تستمتع ببسمات عينيها… فيه نشوة أبي لما كنت أقهقه في ذراعه الأيسر ويده اليمنى تتجول في عنقي مدغدغةً ضاحكة راقصةً، ولسانه يتلكأ ليضحكني أكثر فأكثر… فيه آثار إخوتي وأخواتي في التراب ونحن نلعب ونلعب ونلعب… فيه تجليات وجوه أصيحابي ورفاقي وجيراني وخلاني هنا وهنا وهناك وهناك وهنالك في الأفق كله خارج معايير الزمان… فيه بعض تداعيات ذات الجدائل أخت الجداول التي شاهدتها مرة فكتبت فيها ما كتب جميع الشعراء، وشاهدتها ثانيةً فرسمت منها ما رسم جميع الرسامين، وشاهدتها ثالثة فنحتُّ لها ما نحت جميع النحاتين، ولما كانت الرابعةُ كان الغروبُ فاختفت وذابت لست أدري أين فحاولت وحاولت أن أختفيَ مثلها وما أفلحت أبدا… فيه أشجار وأحجار وبنايات وساحات تعرفني معرفة تامة أكثر مما أعرفها بكثير. تناديني حينا بصيغة التصغير كما كانت تفعل أمي، وتناديني حينا بصيغة التكبير كما كان يفعل أبي، وتهمس في أذني بهذه الكلمة الباسمة أو تلك كما كان يفعل من كانوا بعض حياتي وكنت بعض حياتهم… وبعد هذا وغيره وغيره وغيره؛ فيه عين دافقة ما توقف تدفقُ فُراتها في فمي ودمي وقلمي قط برغم اختفائها منذ اختفاء ذات الجدائل وأنا في الربيع… آه، ما زلت أسمعهما معا وكلتاهما تقول للأخرى بلغة لا أفهم فك شفراتها إلا أنا:
– سر جمال هذا الفردوس تجسّد فيك جهرا يا عين الجمال في هذا الوجود…
– سر جمال هذا الفردوس تجسّد فيك جهرا يا عين الجمال في هذا الوجود…
(6)
مسقط رأسي يحبه الأبطال والمقاومون، ويحبه الرحالة والمسافرون، ويحبه الزهاد والصالحون، ويحبه العلماء والباحثون، ويحبه الأدباء والمبدعون، ويحبه البدو والمتمدنون، ويحبه البسطاء والمتواضعون، ويحبه من غير استثناء عشاق الحر وعشاق القر وعشاق السر وعشاق الجهر وعشاق الفجر وعشاق الشعر وعشاق النثر، ويحبه أكثر فأكثر عشاق اكتمال البدر والذين يلهمهم صمود الصخر وامتدادات سهوب الزهر وأساطير ما مَرَّ وما لم يمر من الدهر والوشم الحاكي لخصوصيات المصر في كل عصر…
مسقط رأسي تأتيه الأقوام في الشتاء فيقولون:
– إلى جمال هذا الشتاء انتهى جمال كل شتاء!
ويأتيه أقوام في الربيع فيقولون:
– إلى جمال هذا الربيع انتهى جمال كل ربيع!
ويأتيه أقوام في الصيف فيقولون:
– إلى جمال هذا الصيف انتهى جمال كل صيف!
ويأتيه أقوام في الخريف فيقولون:
– إلى جمال هذا الخريف انتهى جمال كل خريف!
والجميل جدا جدا في مسقط رأسي الأصيل جدا جدا أن فلذات كبده من البنين الأصلاء والبنات الأصيلات -الذين أقاموا فيه الدهر كله أوفارقوه إلى شتى أصقاع المعمورة- لا يقولون إلا ما قيل ويقال فيه بلهفة حب عتيق عميق متجدد بتجدد شروق الشمس كل يوم، ولا يرون بالبصيرة والبصر رمزا دنيويا مشخصا للجمال الذي تكلمتْ عنه كتب السماء وكتب الأرض إلا فيه… هكذا يفعل جمال الجود وجمال الوجود في التاريخ الممدود والحكي المسرود…
(7)
مسقط رأسي نجم أرضي ربما لا تراه كل الأرض لكن الأكيد أن السماء تراه في كل حين وتحبه في كل حين وتلهم القلوب حبه في كل حين…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إمضاء : بومدين جلالي – الجزائر