18/01/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

ود أمو.. قصة قصيرة بقلم: عمر عباس الطيب عبد الرحمن/ السودان

1 min read
Spread the love

  ود أمو
ها أنت تتساءل مجدداً بعد أن أمرت بالصمت ولا شيء غير الصمت، لماذا قدر لك أن تقبع في هذه البؤرة المظلمة؟ وما الذي جنته يداك ليصل بك الحال إلى هذا الوضع المزري؟ رائحة الصنان تهاجم حاسة شمك بلا هوادة، يؤجج عفونتها حرارة الهواء المسجون، الأكسجين يكاد ينفد من رئتيك، ما يزال صوت قسوة الصفع وصداه يطنان في أذنيك، حين ضلت يديك المرتعشتين طريقهما لاستخراج بطاقتك الثبوتية، تحاول جاهداً أن تبدد ظلمة المكان الموحشة، لكن طرفك يعود القهقرى وقد أعيته الحيلة، اختفاء رهبة الرقيب شجع آلة عقلك على التحرر، ترى كم نفساً وجسداً ذاقا هنا ألواناً من العذاب؟ وكم رأت وسمعت هذه الزنزانة السوداء من آهات المعذبين وتوسلاتهم؟، هل هي الأقدار تضعنا حيث ما تشاء؟ وهل قدر هذه الأحجار أن تصطف في صلف وقسوة كي تكون شاهداً على معاناة الأبرياء والمذنبين؟ هل هي أيضاً تقاسي وتعاني ظلم وإفساد بني البشر؟.
هذا ما دار بخلدك وأنت لا تدري سبباً لتكبيل حريتك، تتوهم أنيناً من عشرات السنين يتردد صداه في عصبك السمعي، لا بد أنك ستكابد وتتألم وربما اختلط أنينك مع أناتهم، خامرت تلك الأفكار عقلك وعزوت ذلك لطريقة الاعتقال المذلة التي اختلفت منهجيتها بين الركل والسحل، حتى إن قميصك قد من قبل ومن دبر تمزق وتناثرت أزرته الواهنة، شعرت حينها أن نفسك هي التي مزقت كل ممزق، كان يعني لك الكثير على الرغم أنه لا يقيك زمهرير برد أو وهج شمس، ثمنه صبر أيام.. بل أسابيع وربما شهور على سياط الشمس، وسياط أنظار المخمورين وقليلي الحياء والمراهقين، وهي تنهش جسد أمك (عاشة بت جبارة) المتماسك، التي لم تجرؤ الأيام بنوازلها أن تفت عضد عزيمتها، وهي تبيع ماء وجهها قبل أن تبيع كيف القهوة والشاي للسابلة، تدخرك لوقت تأكل الأيام فيه سنابلها الخضر واليابسات .
تصطدم أفكارك بجدران العقل فترتد خاسئة حسيرة، لا خيوط أمل أو بصيص ضوء لاستكناه هذا المبهم الذي يكبل يديك وقدميك، تسند ظهرك على الفراغ، تقوقعت مرة أخرى وانكفأت على ذاتك ،كما اعتدت دوماً وكما جبلت.. هشاً حد الانكسار وليناً حد العصر، تختبئ خلف مخاوفك، تترقب أن ينبثق هولاكو من رحم الجدار، وهو مدجج بآلات القتل وقد امتلأ شدقيه بالدماء ، مطلقاً ضحكةً مجلجلة تلهب ظهر السكون، حدقتاك اتسعتا في الحلكة عن آخرهما، جاس بفكرك الحائر: أي مصير ينتظرك؟ وكيف تكون طريقة انتزاع ما لم تقترف من أفعال ؟ استعادت ذاكرتك صور التعذيب الوحشية النازية، أيكون بالخطاطيف التي تخترق الأثداء؟ أم الركل أسفل البطن؟ ربما بالصعق واقتلاع الأظافر؟ قفزت صورة صلب الحلاج ومحنته حتى طغت على وساوسك، لكنك لست ربانياً ولم تعرف طريق الله قط ! هكذا حدثتك نفسك، أقسمت لئن أنجاك الله من هذه لتسلكن طريقه، ارتفع الإدرينالين والكورتيزون في عروقك، العرق الغزير يجتاح جلدك وجلدك.
لم تكن على استعداد البتة لخوض تجربة مريرة أخرى، وحدك تعلم ما منيت به نفسك من خسائر في معترك الحياة، ذو حظٍ عظيم.. لكن في الهم والحزن، تنعم بالشقاء فتواسي نفسك بكلمات حفرتها بت جبارة بقلم من نور (قدر أهون من قدر)، كأن تلك العبارة ما صيغت إلا لها، حين ترددها تعقبها بالثناء على الله فتنفرج أساريرها، فتشع سمرتها المعجونة من طمي نهر الجنة، تتمنى أن تصرخ فتسمعها صرختك، أن تستنجد بها كما كنت تفعل وأنت يافع، لم تكن تجرؤ على رفع قبضتك في وجه أحدهم، حين لقبك الصبية بـ (ود أمو) أسررتها في نفسك ، لم تشأ إخبارها كي لا تسقط صورتك من عينيها، تتوق الآن أن تصارحها أنك ما زلت غضاً وإن نبت شاربك واخشوشن صوتك، تلاشت صلابتك النفسية وتناثرت، حين طاف بفكرك جزعها وهي لا تعلم أي سماء أظلتك وأي أرض أقلتك، ربما تمزق أحد شرايينها الواهنة، تكاد عضلة قلبك تمتنع عن ضخ الدم حين خطر لك ذلك.
بت تستجمع بقايا ذاكرة أوهنتها تصاريف الدهر وخطوبه، لم تكن ممن يتاجرون بالسياسة ولم تعرف دهاليزها في يوم من الأيام، تستمع فقط لأركان النقاش الجامعية، تضحك من أعماقك وأنت ترى خصوم النظام يعرونه ويفضحون سوءته، تعزي فقرك وبؤسك وتسخر من جلاديك، لكن.. ربما كان هناك من يدون هذه القهقهات، يحصي عددها ويقيس درجتها، حتى أتى يوم الحساب.. لاشك أن المشيب سيجتاح فروة رأسك من هول ما سترى.
لا بد أن تكون وشاية من أحدهم، هاجس أرق عقلك، ولكن من من!؟ وأنت بلا خصومة.. كنت تطبق فلسفة ونصائح بت جبارة في الحياة بحذافيرها، في سعيها للحفاظ على يتيمها ،تسير داخل الجدران وخلف الظلال.. قطع صوت صرير باب الزنزانة أفكارك، كأنه ما فتح من آلاف السنين، تصرخ مفاصله من أثر الصدى، انتابتك حالة من الهلع، يكاد ينفطر فؤادك، وجيب صدرك تهتز له جدران المكان، تعصف بك الظنون حتى غصت حنجرتك بقلبك، صوت أقدام ثقيلة تقترب في الظلمة وتقترب معها نهايتك، وقف أمامك.. أحنى ظهره.. حتى كاد أن يلامس بأرنبة أنفه أنفك، تفوح منه رائحة عرق التمر ،تحسس كتفيك وظهرك برفق، التصق بك.. قال بصوت جهوري حازم: من أنت؟ تملكتك حالة من الهستيريا، ضاعت حروف اسمك بت تصرخ: أنا ود أمو.. أنا ود أمو.. أطلق سجانك ضحكة خشنة متقطعة، بعد أن قذف إليك أوراقك الثبوتية: يمكنك المغادرة.. مجرد تشابه أسماء.

1 thought on “ود أمو.. قصة قصيرة بقلم: عمر عباس الطيب عبد الرحمن/ السودان

  1. Generally I don’t read post on blogs, but I would like to say that this write-up very forced me to try and do so! Your writing style has been surprised me. Thanks, quite nice post.

Comments are closed.