20/06/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

ولادة.. قصة قصيرة.. بقلم: ليلى عبد الواحد المرّاني/ العراق.. خاص بيوم اللغة العربية العالمي/ 18 كانون الأول

1 min read
Spread the love

ولادة

 

ليلى عبد الواحد المراني

أنزلونا من الشاحنة التي تكدّسنا فيها، أكثر من خمسين شخصاً بين رجلٍ وامرأةٍ، وطفل، من يتأخّر في النزول خوفاً يتلقّى صفعةً على رأسه من رجل يقف عند باب الحافلة، عملاق يساعده عملاق أخر، يسحب الرجل ويلقيه أرضاً، فيركض مذعوراً ويصطفّ بطابور مذعورين آخرين.
المنطقة صحراويّة، حتى ظننتُ أننا عدنا إلى دولةٍ عربيّة متصحّرة، وأن المشوار الطويل، ومحطات الموت التي قطعناها نحلم بأرض الميعاد قد انتهت. بنايةٌ واحدة تنتصب في ذلك المدى المخيف، يقف عند بابها أربعة عمالقة موشّحين بالسواد من رقابهم حتى القدم، يزيدهم رعباً، رؤوس ضخمة حليقة، مع ثلاثة كلاب رمادية تقدح عيونها شرراً، ولا تقلّ عنهم ضخامةً وشراسة، تمسك بسلاسلها امرأةٌ تضيف للمشهد رعباً، ذكّرني فأفلام الفريد هيتشكوك!
تحالف البرد والضياع، والرعب الماثل أمامنا، فارتجفنا، واصطكّت أسناننا، وكقطيع أغنامٍ بائس، اقتادونا إلى قبوٍ متعفّن تحت تلك البناية، نسابق بعضنا كالزواحف في النزول إليه. كادت المرأة التي أثقلها حمل بطنها أن تقع، تلقّفها زوجها وإثنان آخران. ساحةٌ صغيرة يتوسّطها كرسيّ خشبيّ متداعٍ، وفِي إحدى الزوايا حنفيّة ذات رقبة طويلة، تنتصب داخل حوض حجريّ، تسابقنا إليها نغسل وجوهنا المعفّرة، ونطفيء ظمأنا. ألقينا بأجسادنا المنهكة على أرضٍ لزجة، تغطيها مياه خضراء متعفّنة، وارتمت المرأة الحامل على الكرسي اليتيم، تلهث وتمسح عرقاً تصبّب من رأسها وأغرق وجهها، يحيط بها زوجها بذراعيه، ويتمتم أدعيةً لا نكاد نسمعها.
الإعياء والجوع استنفذا آخر ما تبقّى من مقاومتنا، تساءل أحدهم وهو يتثاءب.. أين نحن، هل تعلمون؟.. إحدى دول شرق اورپا، ربما بلغاريا، أجاب آخر بصوتٍ ضعيف.. كيف عرفت؟ ..ألا ترى ضخامة أحجامهم وعيونهم المخيفة؟.. ضحك الآخر بمرارة، والوجوه التي مرّت علينا قبلهم، هل كانت أليفة؟.. مهربو بشرٍ يا أخي، ماذا تنتظر.. بكينا بصمتٍ ذليل آدميتنا التي تناوب على سحقها مهربون لم نعد بالنسبة لهم غير أرقامٍ يتداولون بيعها. ساد صمت كئيب، زادته كآبةً ريحٌ شتويّة تعوي، وكأننا في غابة ذئابٍ مسعورة. التصقنا ببعضنا نحتمي من خوفٍ مفاجيء، انتقل إلينا كعدوى الطاعون حين شهقت المرأة الحامل وتقطّعت أنفاسها، أضاف لها خواء بطوننا وحلمنا بقطعة خبز بعداً آخر من الضياع والتشرذم، فكانت رحمةً سماويّة نزلت علينا حين اقتحم أحد العمالقة الصمت والخوف والبرد، حاملاً علبةً كارتونيّة كبيرة، عيناه تترصّدان المكان وأجسادنا التي استرخت باستسلام، وبجوع كلابٍ سائبة لم تذق طعاماً لأسابيع، دبّت فينا الحياة حين شممنا رائحة الخبز، تسابقنا في تلقّف قطع الجبن الأصفر وقطع الخبز التي يرميها علينا بازدراء. علا نحيب المرأة متوجّعاً وهي تعتصر بطنها الذي تهدّل فجأةً. استدار نحوها العملاق، وأشار بإصبعه أن.. إتبعيني. قفز زوجها جذلاً، وأعانها لتقف، كادت تسقط ثانيةً، فأحاطها العملاق بإحدى ذراعيه، وإلى غرفةٍ مجاورة نقلها، وزوجها. إلتقت عيوننا جميعاً عند الكرسي الفارغ، اقترح أحدهم أن نتناوب الجلوس عليه، لكلّ واحدٍ منّا نصف ساعة. فجأةً همس أحدهم بخوف.. هل ترون ما أرى؟ وأشار بيده إلى الناحية الأخرى من القبو، ولأول مرة بدأنا نسمع فحيحاً يصاحبه شخير بإيقاعاتٍ مختلفة! جاهدنا في تركيز أنظارنا رغم العتمة والخوف، كان هناك رفّان خشبيان تتكدّس فوقهما متلاصقةً عشرات الأجساد، وعيونٌ منطفئة تحملق فينا. أشار واحد منهم، وهمهم.. فهمناها دعوةً لأحدنا أن يشاركهم مخدعهم الخشبي.
لم أعد أذكر لماذا اختاروني أنا، وكيف صعدت إلى الرفّ الخشبي، ومن أعانني.. كلّ ما أذكره أن رائحة العرق النتنة، ممتزجةً برائحة أقدامٍ مطبوخة داخل أحذيةٍ لم تُخلع لأيام، وربما لأسابيع، أزكمت أنفي وأصابتني بغثيانٍ وخدر، فغرقت في نومٍ عميق.. وفوق جناحي طائرٍ كبير، رأيت أولادي يلوّحون لي ضاحكين.. ويبتعدون. حاولت اللحاق بهم، ركضت.. تعثّرت، وسقطت. انتفضت مذعورةً من نومي، وكأنني أسمع بكاء طفلٍ وليد.. المرأة الحامل وضعت جنينها ..

5 thoughts on “ولادة.. قصة قصيرة.. بقلم: ليلى عبد الواحد المرّاني/ العراق.. خاص بيوم اللغة العربية العالمي/ 18 كانون الأول

  1. Wow, mwrvelous blog layout! Ꮋow long have you been blogging for?
    you made blogging lο᧐k easy. Tһe overalⅼ looқ oof your
    website iѕ magnificent, ɑs ԝell as the ⅽontent!

Comments are closed.